شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١١٢ومِنْهَا الدَّبُورُ الْمُدَمِّرُ، ومع ذلك فإن عُصْبَةَ الْحَقِّ مُطالبون دائما بأن يُحافظوا على مسا عندهم من الحق، وأنْ يُطَبّقُوا نظامه وفْقَ مُقتضيات الظروف، فلذلك شُرِعَتْ لَهُمْ هذه الْمَسَالك لئلا يُفَرِّطُوا في نظام الدين، وهي أربعة:
أوَّلُها: الظهور؛ وهو - كاسمه - يُنبئ عن القوة واجتماع شمل الأمة
وانتظام أمرها وعلو كلمة الحق، وتَمَكُن عُصبته من قيادة سفينة الأمة وفق نظام دينها
+
وهذا الذي كان من بعده - عليه الصلاة والسلام - عندما بايَعَ الْمُهَاجِرُون
کانت
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الخلفاء الراشدين، فإن بَيْعَةً كل واحد منهم وَفْقَ هذا النظام، وإِنَّما دَابَ أصحابنا - رَحِمَهُم الله - على التمثيل لهذا الْمَسْلَكِ بِمَا كان عليه حال الأمة في عهد الخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ أبي بكرٍ وعُمَرَ – رضي الله عنهما – لأن الأمة في عصرهما كانت في عافية من الفتنة ومأمن من الشقاق والخلاف، وإنما بدأت بعدَهُما تَهُبُّ عليها أعاصيرُ الفتن لتُضرم نارها، فحصل بينها ما حصل من الشقاق
والاختلاف
-
هذا؛ وبما أن هذا الْمَسْلَكَ هو أعلى الْمَسَالِكِ وأجَلُها - إذ هو - أصفاها مَوْرِدًا وأطيبها ثَمَرًا - لَمْ تَتَوانَ هِمَمُ أهل الحق والاستقامة - في حال ما تكون الفُرَصُ مُوَاتِيَةً - الأخذ بنظامه والاعتصام بحبله، كما كان ذلك بأرْض اليَمَنِ عندما بايَعُوا طالب عن الْحَقِّ عبد الله بن يحيى الكندي - رحمه الله تعالى –، وبالقُطْرِ العُمَانِيِّ مُنْذُ مبايعة الْجُلَندَى بن مسعودٍ ثُمَّ الأئمةِ العُدُولِ مِنْ بعده - رحمهم الله تعالى –، وكذلك بلاد الْمَغْرِبِ منذ بَيْعَةِ الإمام أبِي الْخَطَّابِ الْمَعَافِرِيِّ، ثُمَّ استمر هذا النظام في عُهود الأئمة الرُّسْمِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ - رَحِمَ الله الجميع -. وإلى ذلك يُشِيرُ الْمُصَنِّفُ – رَحِمَهُ الله -
في جَوْهَرِه حيث قال:
وَلِلْعُمَانِينَ وَالْمَغَارِبَة وَحَضْرَمَوْتَ أُمَرَاءٌ غَالِبَهُ يُشَابِهُونَ العُمَرَينِ عَدْلا وَوَرَعًا وَثِقَةً وَفَضلا مَضَوْا عَلَى نَهْجِ الصَّوَابِ فَلَهُمْ حُسْنُ الشَّنَا مَعَ الرِّضَا مِنْ رَبِّهِمْ
103