شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٥١نَظَرُوا صَنيعَ الله بي فَعُيُونُهُمْ في جنة وقُلُوبُهُمْ في تار وقد يَدْفَعُ الحَسَدُ بصاحبه إلى أنْ يُكَابر الحقيقة التي تَمْلأُ عقله وقلبه فيَحْحَدَها، كما كان ذلك من أُمية بن أبي الصَّلْتِ؛ الذي كان يَتَطَلْعُ إِلى نُبُوَّةٍ يُشْرِقُ صَيَاؤُهَا فَيُبَدِّدُ ظلام الجاهلية، فلمَّا أَكْرَمَ الله بذلك عبده ورسوله محمَّدًا حَسَدَه على ما آتاه الله وَكَفَرَ بِه. وهكذا كان صَنِيعُ كثيرٍ من المشركين، إذْ لَمْ يَصْرِفُهُمْ عن الإيمان بِهِ إِلَّا
هذا الداء.
وهكذا صنيع اليهود، فإنَّهم كانوا موقنين بنبوته صلى الله عليه وسلم بِمَا وَجَدُوهُ مِنْ نُعُوتِهِ فِي التوراة، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، فلما جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا أنْ تَخْرُجَ النبوَّةُ مِنْ بني إسرائيل إلى العرب، ولذلك قال الله تعالى فيهم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلكًا عظيما﴾ [النساء/54]، وبدافع الحسد كانوا يتمنون الكفر للذين آمنوا، كما قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة/ 109 دار سارى وقد يَسْعَى الْحَاسِدُ إلى الإضرار بالْمَحْسُود في جسمه أو عقله أو ماله أو ولده
أو أهله، لذلك كله كان من قواعد الكفر
ولِمَا لِلْحَسَدِ مِنْ أَثر خطير في حياة الناس عَلَّمَنَا اللَّهُ تعالى أَنْ نَستَعِيذُ بِهِ مِنْ شَرِّ
حاسد إذا حَسَد؛ فيما أَنْزَلَهُ في سورة الفَلَقِ
ومِمَّا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ أنَّ الكُفْرَ القائم على القواعد المذكورة هو أعَمُّ مِنْ أَنْ يكونَ كُفْرَ شِرْك أو كُفْرَ نِعْمَة، فإن كلا من الجهل والحمية والكبر والحسد ينشأ عنه كل واحد
الكُفْرَينِ كَمَا عَلِمْتُ
142