شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

الركون إلى الظلم مَهْلَكَة، ولو كانَ مَيْلاً بالقلب من غير أن يكونَ لَهُ أثر على الفعل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَرَكُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود/113]. ثالثها: الكبرُ؛ وهو أنْ يَتَعَالَى الإنسانُ بنفسه، وعُرف بأنَّه: تَسْفِيهُ الحَقِّ وغَمْطُ الخَلْقِ، أي از دراؤُهم واحتقارهم. والمتكبِّرُونَ إِمَامُهُمْ إِبليس - لَعَنَهُ اللَّهِ - فَإِنَّما عَصَى الله تبارك وتعالى باستكباره، إذ رأى لِنَفْسِه مزيَّةً على آدم عليه السَّلام فقال: أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف/12]. وعَلَيْهِ فَإِنَّ الكَبْرَ إِمَامُ الْمَعَاصي، لأنَّ أَوَّلَ مَا عُصِيَ اللَّهُ تَعَالَى به

والْمُتَكَبِّرُ مُتَطَاوِلٌ على الله تبارك وتعالى، فإِنَّ الكَبْرِيَاءَ مِنْ خصائصه لك، ففي الحديث القدسي: «الكَبْرِيَاءُ رِدَائي والعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَيَ أَحَدَهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النار ولا أبالي .. ومعناه أن كل واحدة من الصفتين خاصة به ل، ليس لغيره منهما نصيب، كخصوصية أحدنا بردَائِهِ وَإِزَارِه، فلذلك كان حَرِيًّا مَنْ تَطَاوَلَ على الله سبحانه بِمُنَازَعَتِهِ

إحداهما أنْ يَقْذَفَهُ في النار.

•

وإنما كان الكبرُ مِنْ قواعد الكفر لأنه يَحُولُ دُونَ اتباع الحق، كما في قصَّة إبليس - لعنه الله -، وكذلك أولئك المتكبرون الذين صَدُّوا عن الحق صُدُودًا، كقوم توح وعاد وثَمُودَ والذي حاج إبراهيم في ربِّه وفرعون وقومه، لذلك كان كل متكبر مصروفا عن آيات الله تعالى، قال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف/146].

رابعها: الْحَسَدُ: وهو تَمَنِّي زَوَالِ نعمة الغير، سواء كان هذا التمني مصحوبا يتمَنِّي انتقالها إلى الحاسد أو مُجَرَّدِ زوالها، وهو دَاءٌ عُضَالٌ يُثْمِرُ العداوة والبَغْضَاء، فإن الحاسِدَ يَشْعُرُ بِنَارٍ تَضْطَرِمُ بين جَوَانِحِه، يُؤَخِّحُها ما يراه من نعمة الله تعالى على غيره، فلذلك يَتَمَنَّى إطفاءَهَا بزوال تِلْكُمُ النعمة، وقد أَجَادَ مَنْ قال: إِنِّي لَأَرْحَمُ حَاسِدِي لِحَرِّ مَا ضمنتْ صُدُورُهُم مِنَ الأَوْغَارِ

141