شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٧٢لا يَطَّلِعُ عليه مِنَ الأُمَّةِ إِلا خَاصَّتُهَا مِنْ أسْرَارِ السَّيَاسَةِ الْحَرْبِيَّةِ، وهي لَمْ تَأْتِ إِلَيْهِ إِلَّا لِتَحْدُمَ مَصْلَحَةَ أُمَّتِهَا، فَلَمْ تَأْلُ جَهْدًا في القِيَامِ بِمُهِمَّتِهَا وَالْحِفَاظِ عَلَى مَسْؤُولِيَّتِهَا، فَأَصْبَحَتِ الأُمَّةُ هِيَ الْحَاسِرَةَ، إِذْ رَاحَتْ ضَحِيَّةَ شَهَوَاتِ كُبَرَائِهَا.
ثَانِيهِمَا: أَنْ تَكُونَ حُرَّةً، إِذْ لَا تَحِلُّ إِمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ، لأَنْ حِلِّيَّةَ نِكَاحِ الأَمَةِ مَشْرُوطَةٌ في القُرْآنِ بِعَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ إِلَى نِكَاحِ الْمُحْصَنَاتِ - أَي الْحَرَائِرِ - وخَوْفِ العَنَتِ - وَهُوَ الوُقُوعُ في الزِّنَا - مَعَ كَوْنِ الأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ مُؤْمِنَةٌ، وذلك لِقَوْلِهِ تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ إِلَى قولِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ حَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء/ 25].
وهذا التشديدُ إِنَّما هُوَ لأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ مِنَ الْمُسْلِمِ عَلى أَفْلادَ كَبِدِهِ وَثَمَرَاتِ فُؤَادِه لَفَلا يَكُونُوا عُرْضَةً للرّقٌ، وَلَفَلا يَكُونُوا تَبَعًا لغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الأَوْلادَ كَمَا يَتْبَعُونَ آبَاءَهُمْ في الأَنْسَابِ يَتْبَعُونَ أُمَّهَاتِهِمْ فِي الْحُرِّيَّةِ أو الرّق، فلذلك ما كانَ لِلْمُسْلِم أنْ يَلْجَأَ إِلَى مَا يَرِقُ أولاده في سَبِيلِ قَضَاء شَهْوَته، إلا أنْ لا يَجِدَ مَنَاصًا مِنْ ذلك، بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ على مُقَاوَمَةِ غَرِيزَتِهِ ولا يَجِدُ سَبِيلاً إِلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ، فَيَتَخَلُصُ بِهِ مِنْ تأثير تلك الغريزة. ومُنِعَ مِنْ أنْ تَكُونَ الأَمَةُ التي يَنْكِحُها غَيْرَ مُسْلِمَةِ؛ لِفَلا يُسْتَرَقَ أولادُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ أَهْلِ الكتاب، هذا هُوَ قَوْلُ أصحابنا والجُمْهُور، وفي ذلك خلافٌ بَسَطْتُهُ في بَعْضِ الفَتَاوَى فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ.
وقولُ الْمُصَنِّف - رحمه الله -: «إلا الإِمَاءَ فَلا حَرْيٌ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا
وَوَافَقَهُمْ عليه الْجُمْهُورُ؛ وهو عَدَمُ حِلَّ نِكَاحِ الإِمَاءِ منهم، وقد عَضَدُوا ذلك بِقَوْلِهِ تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة/ ه]، فَإِنَّ الْمُحْصَنَاتِ وَصْفٌ يَسْمَلُ الْحَرَائِرَ والعَفَائِفَ.
163