شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ١٧٦خاتمة
68. إِنَّ الإِمَامَةَ فَرْضٌ حِينَمَا وَجَبَتْ شرُوطُهَا، لَا تَكُنْ عَنْ شَرْطَهَا غَفَلا
الإمامة هي القيادةُ الكُبرى للأمة، وهي ضَرُورِيَّةٌ مِنْ أَجْلِ جَمْعِ شَمْلِ الأُمَّةِ وتأليف قلوبها والنُّهُوضِ بِمَسؤوليَّاتِها، ومِنْ بَيْنِها: الدَّعْوَةُ إِلى الْخَيْرِ، والأمرُ بِالْمَعْرُوفِ
والنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ، وإقامة الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ، وإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِينَ ونُصْرَةُ الْمَظْلُومِينَ والجهاد في سبيل الله، وإقامةُ الْجُمُعَاتِ، فإن ذلك مِنْ مَسؤوليَّاتِ الأُمَّةِ، ولا يُمْكِنُ أَنْ يقوم بذلك أفراد مُتَتَتُونَ، وإِنَّما يَتِمُّ ذلك في حين قيام النظام الشرعي، ووُجُودِ قائد للأمة تُفَوِّضُ إليه أمْرَهَا وتُسْلِسُ لَهُ قِيَادَهَا، وتَحُوطُهُ بِنُصْحِها وتوجيهاتها.
وهو منصب لا يُختَارُ لَهُ إِلا مَنْ كان ذا أهْلِيَّة تامة، وذلك بأنْ يكونَ رَجُلاً، مُسْلِمًا، وَرِعًا، سليم الحواس والعقل، ليست به عاهَةٌ، وأن يكونَ حُرًّا بالغا، مُتَمَتِّعا بِمُؤهلات القيادة؛ مِنَ الإقدام وحُسْنِ السياسة والْحُنْكَةِ وسَعَةِ الصَّدْرِ ورَبَاطَةِ الحَاشِ وعُلُو الهمة، والخبرة بشؤون الدين والدنيا، ومعنى هَذَا أَنَّه لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا متهدًا، أو أن يكونَ مِنْ حَوْلِهِ عَلَمَاء يَسْتَمِدُّ منهم خبرته ويَرْجِعُ إِليهم في حَلْ
المُشكلات.
وعلى كلا الأَمْرَيْنِ لا مَنَاصَ لَهُ عن السُّورَى، وذلك بأن يستشير في كلِّ شأن أهل الخبرة به، ففي مَجَالِ الشَّرْعِ يَسْتَشيرُ الفُقَهَاء، وفي الشوونِ الحَرْبيَّةِ يستشيرُ ذَوِي الخبرة العَسْكَرِيَّةِ، وفي الشؤونِ الْمَالِيَّة يَرْجِعُ إلى ذوي الخبرة الاقتصادية، وهكذا في كُلّ مَحَالٍ يَرْجِعُ إلى الْمُحْتَصِينَ بِهِ، مَعَ ضَبْطِ هذه الْمَشورَةِ بالأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ الربانية هي أساس هذا النظامِ.
وهذا الْمَنْصِبُ إنَّما هو ورَاثَةٌ للنُّبُوَّةِ، فَلِذَلِكَ لا يَتَبَوَّؤُهُ إِلَّا مَنْ كان على مِنْهَاجِ الأنبياء، فَمَا لأهلِ الجَوْرِ والظُّلْمِ فيه من نصيب، بدليل قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّنِي قَالَ لَا يَنَالُ
167