شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ١٧٧

عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة/124]، فكما أن الظالم لا يكونُ نَبِيًّا قَطُّ كَذلِكَ لا يَفْعُدُ

على عرش خلافة النُّبُوَّة

ولا يُشتَرَطُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ نَسَبٌ بِعَيْنِهِ، فَجَمِيعُ الناسِ مُتَسَاوِيَةٌ فِيهِ أَقْدَامُهُمْ عندما تتوفر فيهم الشَّرُوطُ الْمَطْلُوبِةُ، فَلَيْسَ العَرَبِيُّ أَولَى بِهِ مِنَ الْأَعْجَمِيٌّ، ولا القُرَشِيُّ

أَوْلَى بِهِ مِن غَيْرِهِ.

عليهم

-

وإنما كان اختيارُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ من قُرَيْشٍ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ – رِضْوَانُ اللَّهِ - مُرَاعَاةٌ لِمَصْلَحَةِ سَيَاسَةِ الأُمَّةِ، فإن الدولة كانت قائمة يومَئِذٍ على أكتاف العَرَبِ، لأنَّ مُعْظَمَ الرَّادَةِ في الإسلام كانُوا مِنْهُمْ، وكانت العربُ جَمِيعًا تُحِلُّ قُرَيْشًا لِمُحَاوَرَتِهَا بَيْتَ الله تعالى الذي وَرِثَت العَرَبُ تَعْظِيمه، ولأنَّها القائمة عليه، وذَلِكَ مِمَّا أوْرَتَها مَكَانَةٌ فِي نُفُوسِ العَرَبِ جميعًا، وعَمَّق ذلك أن اختارَ اللَّهُ تعالى عَبْدَه وَرَسُولَهُ محمَّدًا من بينهم واستخلصه من صَفْضِي نَسَبهِمْ، فَرادَهُمْ ذلك قَدْرًا ومكانةً، فَلَذَلكَ كَانَ جَمْعُ شَتَاتِهِمْ بِأَنْ يَتَبَوَّاً هَذِهِ الْمَكانَةَ واحدٌ مِمَّنْ يَنتمي إلى مَحْتِدِهِمْ أَقْرَبَ إلى ما أَلِفَ مِنْ شأنهمْ وعُهِدَ في طَبَاعِهِمْ، ويُؤكد ذلك أن أبا بكر الله قال: «إِنَّ العَرَبَ لَا تَدِينُ إلا لهذا الحي من قريش». وهذا مِمَّا يُؤَكِّدُ أنْ اخْتِيَارَ الخُلَفَاءِ مِنْهُمْ كَانَ إِجْرَاء سِيَاسِيًّا مِنْ أَجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ في ذلك العَهْدِ فَحَسْب، وفيما بَعْدَ ذلك إذا وُجِدَ الأَكْفَأُ مِنْ غَيْرِهِمْ فهو أَوْلَى بِهَذَا الشَّأْنِ، مَعَ أَنَّ الذين احْتِيرُوا لِلْخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ لَمْ يُخْتَارُوا لِقُرَشِيَّتِهِمْ فَحَسْب وإنَّما لِسَابِقَتِهِمْ في الفَضْلِ، ولأنَّهُمْ مِنَ السَّابقين الأوَّلِين من المُهَاجِرِينَ، فَكَانُوا أَحْرِيَاءَ

بذلك

عاوم

فإذا وجد القائمُ بِهَذَا الأمْرِ وَجَبَتْ على المُسْلِمِينَ طَاعَتُهُ ونَصِيحَتُهُ، فَإِنْ أَحْطَا صُوِّبَ، وإِنْ نَسِيَ ذُكِّرَ، لأنَّ الْمُؤْمِنِينَ على الحَقِّ أَعْوَانٌ، وَهُمْ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ تَتَفَاعَلُ أعضاؤُهُ جميعًا مع كلّ ما يَعْنِيهِ، وقد عَطَفَ الله تعالى طاعَةَ أُولِي الأَمْرِ على طاعته وطاعة رَسُوله في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء/59] أي:

168