شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٤٨النَّارَ لَا مَعْنَى لِظَهِمْ أَنْ يُفْعَلَ بهِمْ فَافِرَةٌ، لأنَّ الفَافِرَةَ حَلَّتْ بِهِمْ، وَظَنُّ ذَلِكَ - أي
توقعة - إنما هو قبل دخولها.
أمَّا مَا زَعَمُوهُ بأن النظَرَ إِذَا عُدَّي بـ «إلى» لا يَكُونُ إِلا بمعنى الرؤية؛ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خلاق لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ الله وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة) [ال عمران /77]، فَقَدْ عُدْيَ النَّظَرُ هُنَا بِإِلَى وَهُوَ بِمَعْنَى غَيْرِ الرُّؤْيَةِ قَطْعًا، لَأَنَّهُ لَوْ فُسِّرَ بِهَا لَزِمَ منه أن يكون الله سبحانه لا يرى هؤلاء يَوْمَ القيامة.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ إِسْنَادَ النظر إلى الوُحُوه هُوَ الَّذِي يُوَكَّدُ الهُ بمعنى الرؤية. قُلْنَا: إِنَّ الوُجُوهَ هُنَا مَحَارٌ عَنْ أَصْحَابِهَا، وَلَئِنْ حَارَ أَنْ يُسْنَدَ إِلَيْهَا كُلُّ مَا يُسْنَدُ إِلَى أَصْحَابِهَا مِنَ النَّعْمَةِ والرضا في حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، والخشوع والعمل والنصب وصلي النَّارِ والسَّقي مِنْ عَيْنِ آنية في حَقِّ الْمُحْرِمِينَ، كَمَا في قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيث الغاشية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنية [الغاشية 1 - 15، ثُمَّ في مُقابلها: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ)﴾ الغاشية/1 - 5 العاشية 1908؛ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يُسنَدَ النَّظَرُ بِمَعْنَى الْانْتِظَارِ إِلَيْهَا كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ على آله أسند إلى وجوه - في آية ثانية - ظنها أن يُفْعَلَ بهَا فَافِرَةٌ، فَدَعْوَى أن النظر لا
يَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ إِذَا أُسْدَ إِلَى الوُجُوهِ دَعْوَى عَارِيَةٌ مِنَ الدَّلِيلِ.
والكلام في الرُّؤْيَةِ لا تَسَعُ لَهُ هَذِهِ العُجَالَةُ، وَقَدْ بَسَطْتُ القَوْلَ فِيهِ فِي الْحَقِّ
الدَّامِع»، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُرْجِعْ إِلَيْهِ.
39