شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٤٧أَمَّا اسْتِدْلَالُ القَائِلِينَ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى وُقُوعِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيادة 22 - 23) فَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا لا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ على الرؤية الأمور: ه أولها: أَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ هو عَيْنَ الرُّؤْيَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ القَائِلَ يَقُولُ: نَظَرْتُ الهِلَالَ فَلَمْ أَرَهُ، وَلَوْ قَالَ: رَأَيْتُ الهلالَ فَلَمْ أَرَهُ؛ لَكَانَ قَوْلاً سَحْيفًا مُتَهَالكًا ه ثَانِيهَا: أَنَّهُ أَسْنَدَ إلى الوُجُوهِ، وَالوُجُوهُ لَيْسَتْ هِيَ آلَةَ الرُّؤْيَةِ وَإِنَّمَا آلَتُهَا الْأَبْصَارُ. ه قالتها: أنَّ السَّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ هُنَا إِلَّا الانْتِظَارِ، فَإِنَّ الْآيَةَ أتبعت بقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة /24 - 25] وَتَفْسِيرُهُ بِالرُّؤْيَةِ لا يَنْسَجِمُ مَع هَذَا السَّيَاقِ، فَإِنْ قَوْلَهُ و نَاضِرَةٌ} - وَهُوَ بِمَعْنى النَّضَارَةِ وَالحُسْنِ - مُقَابَلٌ بِقَوْلِهِ و بَاسِرَةٌ، وقَوْلُهُ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَ مُقَابَلٌ بِقَوْلِهِ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ، فَوُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ نَاضِرَةً في ذلك الْمَوْقِفِ لَانْتِظَارِهَا رَحْمَةَ اللَّهِ، أَيْ أنْ يُؤْذَنَ لَهَا بِدُخُولِ حَتَّتِهِ وَالفَوْرِ بِنَعِيمِهِ، وَوُجُوهِ أَعْدَائِهِمْ بَاسِرَةً، أَيْ كَالِحَةٌ تَتَوَقَّعُ أَمْرًا شَدِيدًا يَقْطَعُ فَقَارَ ظُهُورِهَا، وَهُوَ دُخُولُ النَّارِ - والعياذ بالله
ولو فُسِّر النظر هنا بمعنى الرُّؤية لَشَدَّ عَمَّا يقتضيه السياق من التقابل والتضاد بين أوصاف المؤمنين في ذلك اليوم وأوصاف الكافرين والفاسقين، إذ لا تَقابل بين كون وجوه المؤمنين رائيةً لِرَبِّهَا وَوُجوه أعدائِهِمْ تَتَوَقَّعُ أَمْرًا يَقْطَعُ فَقَارَ ظُهُورِها.
ه رَابِعُها: أَنَّ الآيَاتِ إِنَّما هي تُخبِرُ عن أحوالِ الْمَوْقِفِ يومَ الحِسَابِ، والقَائِلُونَ بالرؤية اختلفوا في وقوعها في الْمَوْقِف، بل تجدُهُم يقولون بأنها من الزيادة التي تكون بعد الفوز بالثواب في الجنة فإن قالوا بأنَّه لا يُسَلَّمْ أنَّ الحديث عَن الْمَوْقِف لأَنَّهَا دَعْوَى لَمْ يَقُمْ عَليها بُرْهَانٌ. قُلْنَا: بُرْهَانُها وَاضِحٌ في نفس الآيات، وهو قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: {تَظُنُّ أَنْ يُفعل بها فَافِرَةً)، فلو كان ما فيها من ذكر النَّضَارَةِ وَالنَّظَرِ مَعْيًّا بِهِ مَا ينالونه فِي الْجَنَّةِ لَكَانَ ما ذُكِرَ في حَقِّ الفريق الآخَرِ مُرَادًا بِهِ ما يَحِدُونَهُ في النار، مع أَنَّهُم بَعْدَ أَنْ يَصْلَوا
38