شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٥٣أنْ لَمْ يَكُن، ولَمْ يَكُن إلا يخلق الله، فهو المفتقر إلى الله سبحانه، والله غَنِيٌّ عنه وعن
غيره
وَلَوْ كانَ تَعَالى حَالاً بالعرش - كما تَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ – لَتَرَتَّبَ على ذلك: إِمَّا أَنْ يكون العرش سابقا عليه؛ وهو يَقْتَضِي حُدُونَهُ تَعَالى. وَإِمَّا أَنْ يكونَ قَدِيمًا مَعَه؛ وَهُوَ يَقْتَضِي تَعَدُّدَ القُدَمَاءِ، وَتَعَدُّدُ القُدَمَاءِ يقتضي تعدُّدَ الآلِهَةِ. وَإِمَّا أَنْ يكونَ حادِثًا كَغَيْرِهِ
عن
من المخلوقات؛ وذلك يُؤَدِّي إلى التَّسَاؤُل عن مكانه تعالى قبل حدوث عرشه. والتستريه اللائِقُ بِحَلالِ الله يَقْضي باستحالة ذلك كله، فإِنَّ الله تعالى كان ولا زَمَانَ ولا مَكَانَ، وهو الآن على ما عَلَيْهِ كَانَ، لَمْ يُحْدِثُ خَلَقُ الزمان والمكان تغييرًا في ذاته ولا في صفاته، فإنَّ التَّحَوُّلَ مِنْ حال إلى حال مِنْ سِمَاتِ مَخْلُوقاته، وهو الغَنِيُّ عـ كل شيء، القادِرُ على كل شيءٍ، فالعَرْشُ وما دُونَهُ مَحْمُولانِ بِلُطْفِ قُدْرَتِهِ تعالى. وإِنَّمَا مِنْ تَيسير الله تعالى الْهَدَايَةَ لعباده أَنْ خَاطَبَهُمْ بالعبارات التي يَفْهَمُونَهَا مِنَ الحقيقة والْمَجَازِ والصَّرِيح والكنايةِ، وقد عُهد في تخاطب الناسِ قَوْلُهُمْ مَثَلاً: اعْتَلَى فُلانٌ العَرْشِ، بمَعْنى: تَوَطَّدَ مُلْكُهُ واستولى على أزمة أُمور الرَّعيَّة.