شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٥٢

الاستواء على العرش

13. وَهْوَ عَلى العَرْشِ وَالْأَشْيَا اسْتَوَى وَإِذَا عَدَلتَ فَهْوَ اسْتَوَاء غَيْرُ مَا عُقلا 14. وَإنما الاسْتِوَا مُلْكَ وَمَقْدِرَةٌ لَهُ عَلَى كُلِّهَا اسْتَوْلى وَقَدْ عَدَلا 15. كَمَا يُقَالُ اسْتَوَى سُلْطَانُهُمْ فَعَلا على البلاد فَحَازَ السَّهْلَ وَالْجَبَلا

قد أخبر الله في كتابه في العَدِيدِ مِنَ الآياتِ أَنه اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ، وَيُحِبُّ أَنْ نُدْرِكَ أنَّ هذا الاسْتِوَاءَ لا يَعْنِي القُعُودَ والاسْتِقْرَار، لأنَّه تَعَالَى مُنَزَّةٌ عَنِ الْافْتِقَارِ إِلَى الغَيْرِ، ولَوْ كانَ بمعنى القعود والاستقرار لَكَانَ هو بحاجة إلى العرش، ولأنه سبحانه سابق على كلِّ شيءٍ في الوُجُودِ، لا أَوَّلَ لأَوَّلِيَّتِهِ، وكلُّ ما سواه حادث عن العَدَمِ، وهو الذي أَخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. فَوَضَحَ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عليه أَنْ يَكُونَ اسْتِوَاؤُهُ عَلَى العَرْشِ بِالْمَعْنى الْمَادِّيِّ؛ وهو القُعُودُ والاستقرار كَمَا أَخَذَتْ بهِ الْمُشَبِّهَةُ، وَتَعَيَّنَ أَنْ هَذَا مِنْ بَابِ الكنايات، وذلك مَعْهُودٌ في الخطاب العربي وغيره، كَمَا يُقَالُ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّحَادِ؛ كناية عن طُولِ قَامَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِجَادٌ، وكَمَا يُقَالُ في الكَرِيمِ بِأَنَّهُ: كَثِيرُ الرَّمَادِ، مَهْزُولُ الفَصِيلِ، جَبَانُ الكَلْبِ، وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ حَقيقَةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا وُصِفَ بِهِ.

وعَلَيْهِ فإن استواءه على العرش إِنَّما هو بِمَعْنى هَيْمَنَتِهِ عَلى خَلْقِهِ وتَدْبِيرِهِ لأُمُورِهِمْ وتَصْرِيفِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ في الكائنات. على أَنَّ العَرَبَ تُطلق الاستواء بِمَعْنى الاستيلاء، كَمَا يقولُ الشاعرُ:

قد اسْتَوَى بشرٌ عَلَى العراق مِنْ غَيْرِ سَيْفِ وَدَمٍ مُهْرَاقِ وهَذَا المَعْنى أَوْلَى أنْ تُحْمَلَ عليه الآياتُ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ دَلِيلِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ مِنَ استحالة المعنى المادي الظَّاهِرِ، فَإِنَّ العَرْشِ الحِسْمَانِيَّ مَكانٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْكِنَةِ، كَانَ بَعْدَ

43