شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٥٨

الإيمان بالموت والبعث والحساب

18. وَقَدْ أَتَتْ حُجَجُ الْبُرْهَانِ نَاطِقَةً بِالْمَوْتِ وَالبَعْثِ وَالْحُسْبَانِ فَامْتَثَلا

هَذَا مِمَّا يَحِبُ الإِيْمَانُ بِهِ؛ وَهُوَ: الْمَوْتُ فَمَا بَعْدَهُ

فَالْمَوْتُ هُوَ سبيلُ الانتقالِ مِنَ الدنيا إلى الآخِرَةِ، وَمِنَ الفَنَاءِ إِلى الخُلُودِ، وَمِنَ العَمَلِ إِلَى الجَزَاءِ، ولا يُجَادِلُ فيهِ مُجَادِلٌ، لأنَّه حَقِيقَةٌ واقِعَةٌ لَا يَتَمَارَى فيها اثنان، فَهَذه الأُمَمُ عَبْرَ القُرُونِ يَطويها الْمَوْتُ طَيًّا، وَلَيْسَ فِيها مَنْ كان قادرًا على التخلص منه أو تأخير ساعته عندما يَحِينُ حَينُه، بَل الناسُ وغيرُهُمْ مِنَ الأحياء في سَبَاقٍ مُسْتَمِرٍ إِلَيْهِ لوَرْد مَنْهَلِهِ والعَب مِنْ كَأْسه، لا فَرْقَ في ذلك بَيْنَ قَوِي وضَعيف، ولا بَيْنَ قَاهَرٌ وَمَقْهُورٍ، ولا بَيْنَ غَنِي وفَقِير، ولا بَيْنَ عَزيز ودَليلٍ، فَلِذَلِكَ سَلَّمَ الكُلِّ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُماري في حقيقته أو يُشكك في ثبوته، فالْمُؤْمِنُونَ وَالكُفَّارُ والبَرَرَةُ والفَجَرَةُ سَوَاء في

الإقرار به.

وإِنَّمَا يُجَادِلُ الْمُجَادِلُ ويُشَكِّكُ مَنْ شَكَكَ فيما يَتْبَعُهُ مِنَ الْبَعْثِ والحِسَابِ وما يَنْتَهِي إِلَيْهِ التَّرْحَالُ مِنَ الثَّوَابِ والعِقَابِ، فَفِي ذَلِكَ يَقَعُ الافتراق بين طائِفَتَي الأَيْمَانِ والكُفْرِ، فَالْمُؤْمِنُونَ كَمَا آمَنُوا بِثْبُوتِ الْمَوْتِ الْمُشَاهَدِ يُؤْمِنُونَ بِبُوتِ البَعْثِ الْمُغَيَّب

وما يَتْبَعُهُ، لِتَسْلِيمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وتَصْدِيقِهِمْ بِكُلِّ ما أَخْبَرَ بِهِ. وقَدْ أَقامَ الله على العِبَادِ الحُجَّةَ على ما ألكَرُوهُ مِنَ الْبَعْثِ مِنْ دَلَائِلِ خَلْقِهِ لَهُمْ مِنَ العَدَمِ، وَتَصْوِيرِهِ إِيَّاهُمْ على غَيْرِ سَابِقِ مِثَال، وما آتَاهُمْ مِنْ مَوَاهِبِ الحَيَاةِ وأَفَاضَهُ عليهم مِنْ نِعَمِ الْمَدَارِكِ والأَحَاسِيسِ، فَقَدْ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْر مخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُو أشدَّكُمْ وَمَنكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ علم شيئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ.

49