شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٦١الميزان:
19. وَمَا هُنَالِكَ مِيزَانٌ يُقَامُ كَمَا قَالُوا عَمُودٌ وَكفَّاتٌ لِمَا عُملا 20. وَإِنَّمَا الوَزْنُ حَقٌّ مِنْهُ - عَزَّ - أَلَمْ تَسْمَعْ إلى آية الأَعْرَافِ مُحْتَفلا
جاءت الآيات القرآنية ناصَّةً على أنَّ الناسَ يومَ القِيامَةِ متفاوتُونَ فِي الْمَالِ
بِحَسَب التَّفَاوُتِ في الأعمال، فمِنْهُمْ ثَقِيلُ الْمِيزَانِ ومنهم حَفِيفُهُ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ حَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون /102 - 103]، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نار حامية﴾ [القارعة / 6 - 11].
وقد اختلف المسلمون في تأويل ذلك
فمنهم مَنْ ذَهَبَ إلى أن الأعمال تُوزَنُ وَزْنا حقيقيًّا بِمِيزَانِ حقيقي، فَأَهْلُ
البر تستقل موازينُهُمْ، وَأَهْلُ الفُحُورِ تَخفُّ موازينُهُمْ، وهو قول الأَشَاعِرَةِ وَمَنْ نَحَا
نَحْوَهُمْ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْميزانَ كِتَايَةٌ عَنْ فَرْزِ الْأَعْمَالِ، وَتَمْيِيزِ خَيْرِهَا وشَرِّهَا، وَبَيَانِ مَقْبُولِهَا وَمَرْدُودِهَا، فَإِنَّ الله تعالى هو العليم بكل شيءٍ، ولَمْ يَكُن في حاجة إلى ميزان حقيقي لِبَيَانِ الصَّالِحَاتِ والسَّيِّئَاتِ، وإِنَّما يَعْرِضُ على عباده يسوم القيامة ما قَدَّمُوا وما أَخَرُوا، وما أَخْلَصُوا فيه الله وما أرادوا به غَيْرَ وَجْهِهِ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ: على الْمُسِيء بإساءَته، ويَنْعَمُ الْمُحْسِنُ بنعمة القبول من الله، وهو قَوْلُ أصحابنا
والْمُعْتَزلَة
وحُجَّةٌ هؤلاء: أنَّ الله سبحانه أَخْبَرَ عن الوَزْن بأنَّه الحَقُّ، وبَيَّن أَنَّه القسط في قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف /8]، وقوله: (وَتَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة
52