شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٧١يَسْتَوِي فيه بنو إسرائيلَ وغَيْرُهُمْ من الناس، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الآية الثالثَةَ خُوطِبَ بِهَا المؤمنونَ
تَحْذِيرًا لَهُمْ مِنَ التَّشَبُّثِ بِالأَمَانِيِّ والأَنْكَالِ على نَيْلِ الشفاعة
فَإِن قيل: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَ بِقَبُول تَوْبَةِ التائبينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَهُمْ لَيْسُوا بِحَاجَةِ إِلى شَفَاعَة أَحَدٍ؛ قُلْنَا: إِنَّ وَعْدَ الله لا يُخْلَفُ، ولكنْ لا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَنْ تَوْبَتَهُ بِعَيْنِهِ مَقْبُولَةٌ أَوْ لا، لأن الإنسانَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأ والتَّقْصير، وإِن مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ رَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، وإِنَّما يَأْذَنُ سُبْحَانَهُ لِمَنْ يَشَاءُ في ذلك اليوم بالشَّفَاعَةِ للتائبين فَيَتَقَبَّلُ الله تَوْبَتَهُمْ، وفي ذلك إظهار لمزيَّة هؤلاء الشافِعِينَ وَرِفْعَةٍ دَرَجَاتِهِمْ، كما أن في ذلك بَيَانًا لفَضل الله على التائبينَ بأَنْ يَتَقَبَّل توبتهم
وقد حَكَى اللَّهُ دُعَاءَ حَمَلَةِ العَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ حَيثُ قَالَ: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنِ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْرُ * العظيم [غافر / 7 - 90]. فهؤلاء مع كونهم تائبين اللَّهِ هُمْ بِحَاجَةٍ إلى هذا
الدُّعَاء مِنْ مَلائِكَة الله، وهذا من جنس الشَّفَاعَة
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الدعاء ليس مُنْحَصِرًا في التائبين لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ه 1؛ قُلْنَا: هذا مُحْمَل بينته تلك الآيات السابقة، ومِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُحْمَلَ يُرَدُّ إِلَى الْمُبَيِّنِ، ولو أُخِذَ بِمَا يقتضيه ذلك الإجمالُ - حَسْبَ ظَاهِرِهِ بِعُمُومِ لَفْظِهِ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ شامِلاً لِلْمُشْرِكِينَ وَالْمَلاحِدَةِ، لأَنَّهُمْ مِمَّنْ فِي الأَرْضِ، وهو مُعَارِضُ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة /113].
62