شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٩١وفي ذلكَ رَحْمَةٌ وَابْتلاء، إِذْ لَعَلَّهُ عِنْدَمَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا كَانَ يَتُوقُ إِلَيْهِ مِنَ
الشَّرِّ يَؤُوبُ إِلَيْهِ رُشدُهُ وَيَنْتَنِي عَن اختياره السَّابقِ، وَلَعَلَّهُ إِن اخْتَارِ الخَيْرَ وَصَرَفَهُ عَنْ فعله صَارِفٌ يَبْقَى مُتَعَلَّقًا به مُتَحَسِّرًا عَلى فَوَاته، فَيَكُونُ ذَلكَ سَبَبًا لِكَسْبِ مَزيد من
مِنَ
الْخَيْرِ، وَقَدْ تَكُونُ عَاقِبَةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَنِي عَنْ قَصْدِ الخَيْرِ مُحْتَارًا بِنَفْسِهِ، فَيَتَرَدَّى وَيَهْلَكُ - والعياذ بالله -، وَفِي كلا الْأَمْرَيْنِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ تَقْصُرُ دُونَهَا مَدَارِكُ العِبَادِ، وَبِهَذَا -، الذي ذكرناه يتضح معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء الله﴾ [الإساد/ 30]. وَمَا القَدَرُ إِلا سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ غَيْبِ اللهِ تَعَالَى، فَلِذَلِكَ مُنعْنَا مِنْ إِغْرَاقِ النَّظَرِ فيه، وإنَّما عَلَيْنَا أَنْ يُوقِنَ أنَّ اللهَ تَعَالَى لا يُوَاحد عَبْدَهُ إِلا يفعله، فَالعُقُوبَةُ عَلى أَفْعَال الشَّرِّ إِنَّمَا هِيَ عَلَى اكْتِسَابِ العَبْدِ لَهَا، لا عَلَى خَلْقِهِ تَعَالَى إِيَّاهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ ثَوَابُ
أَعْمَال الخير
وَنُفَاةُ الكَسْبِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الثَّوَابَ وَالعَقَابَ الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى أَفْعَالُ العِبَادِ إِنَّمَا هُمَا بِسَبَبِ مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إِبْحَادِ الخَيْرِ أو ضَدِّهِ عَلَى يَدِ العَبْدِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ للْعَبْد في ذلكَ كَسْبٌ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُحَالَ، فَإِنَّ اللهَ أَجَلُ وَأَعْظَمُ وَأَبَرُّ وَأَرْحَمُ مِنْ أَنْ يُجَازِي عَبْدًا عَلَى مَا لا اخْتِيَارَ لَهُ فيه ولا كسب
وَقَوْلُهُمْ هَذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بُطْلانُ الأَمْرِ وَالنَّهْي وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ
وَإِنْزَالِ الكُتُبِ، مَا دَامَ مَنْ كَانَ مَقْصُودًا بِذَلِكَ لَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ وَلَا كَسْبٌ، وَفِيهِ مَا لا
يخفى من تعطيل حكمة الله تعالى في نظام الوجود. حكْمَةِ نِظَامِ
AT