شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
الجزء ١ · صفحة ٩٠والذينَ نَفُوا القَدَرَ وَجَعَلُوا العَبْدَ مُسْتَتقلد في إيجاد فعله تَشَبَّئُوا بالآيات التي تَعْزُو الأفعال إلى العِبَادِ، وتَنْفِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَلْحَاهُمْ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلا تَحْرُصُونَ﴾ [الأنعام /148 | وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدَنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل/35] وَقَالَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمُ العِقَابَ: ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامِ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران /182] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/ 79) وَقَوْلِهِ: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ و الطور / 21] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامِ لِلْعَبِيد﴾ [الحج/ 10]. . أما الذينَ أَنْبُتُوا الله تَعَالَى الْخَلْقَ وَالْعَبْدِ الْمَخْلُوقِ الكَسْبَ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِالنَّظَرِ في هَذهِ الآيَاتِ جَمِيعًا، فَفَهَمُوا أَنَّ ما كان مُسنَدًا إلى اللَّهِ فَإِسْنَادُهُ إِلَيْهِ لأَنَّهُ خَالِقُهُ وَمُقَدِّرُهُ، وَمَا كان مُسنَدًا إلى العِبَادِ فَإِسْنَادُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ اكْتِسَابِهِمْ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الكَسْبُ بِإِكْرَاهِ مِنْهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا اختار مَنْ شَاءَ مِنْهُمُ الخَيْرَ وَمَنْ شَاءَ الشَّرَّ، وَكُلُّ ميسر لما خلقَ لَه. وَقَدْ عَلِمَ الله في الأَزلِ ما يَكُونُ من اعتبارِ كُل لنفسه، وَجَاءَ الخَلْقُ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِ اللهِ مَقْرُونًا بِاحْتِيَارِ العَبْدِ الْمُكْتَسِبْ لِيَتَأَنَّى لَهُ الكَسْبُ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنة وَيَحْيا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةِ، ولا يَعْنِي هَذَا أن لاختبارِ الإِنْسَانِ أَثَرًا فِي فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وَإِنَّما ذَلكَ عِنْدَمَا يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَنْفُذَ مَشِيئَةٌ العَبْدِ بِكَسْبِهِ الخَيْرَ أو الشَّرَّ، وَقَدْ تَكُونَ مَشِيئَتَهُ تَعَالَى خِلَافَ ذَلِكَ، فَلا يَقَعُ إِلَّا مَا شَاءَ، وَيَحُولُ بَيْنِ العَبْدِ وَبَيْنَ مَشِيئَتِهِ، فَيَصُدُّهُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي احْسَتَارَهُ، أَو يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الخَيْرِ.
AY