شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد (طبعة الجيل الواعد) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد

الجزء ١ · صفحة ٩٥

ذكرُ

الإيمان وما يشتمل عليه

34. إيمَانُنَا القَوْلُ وَالتَّصْدِيقُ مَعْ عَمَلٍ فَالقَوْلُ مَرَّ فَصَدِّقَهُ وَكُنْ عَمِلا 35 بمَا عَلَيْكَ مِنَ الإِيمَانِ مُفْتَرَضٌ والنقل إن تَسْتَطعْ فَافْعَلْهُ مُبْتَهلا

«الإيمَانُ» لُغَةٌ: هو التصديق، كما قال تعالى حكايةً لما قاله أولاد يعقوب

لأبيهم: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِن لَنَا) (يوسف / 17)، فإنَّهم أَرَادُوا بِهِ أَنَّه غَيْرُ مُصَدِّقِ لَهُمْ. واشتقافُهُ من الأَمْنِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ - أَي: الْمُصَدِّق - بتصدِيقِهِ لِمُحَدِّثِهِ جَعَلَهُ فِي مَأْمَنِ

تكذيبه إياه.

.

"

وهو شرعًا: تصديق بالغيب الذي جاءت به رسالات الله. وقد جَمَعَ أصول ذلك حديث جبريل عليه السلام؛ إذ جاء تفسير الإيمان فيه: «أَنْ تُؤْمِنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقَدَرِ خيره وشره من الله»

على أن هذا التصديق المطلوب شرعًا بهذه الحقائقِ الغَيْبِيَّة ليس تصديقا ذهنيا فَحَسْب؛ بِحَيْثُ لا يكون له أثر على أفعال المُصدِّق، وإِنَّما هو تصديقٌ يَتَغَلَّغَلُ في أعماق النفس، حتى تتفاعل معه تفاعلاً تاماً في القول والعَمَلِ والفعل والترك والأخلاقِ والسلوك، بحيثُ تَتَجَاوَبُ حياةُ المؤمن كلُّها مع إيْمَانِهِ تَعَاوُبًا تاما، فَيَتَجَسَّدُ إِيْمَانُه فِي جميع أحواله وجميع أقواله وأعمالِهِ تَحَسُّدًا تامَّا يَتَرَاأَى لِلنَّاظِرِين.

"

وأقوى شاهد على ذلك وأبلغ تعبير عنه ما نَحِدُه في كتاب الله مِنْ أوصاف المؤمنين، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكَرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتَ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيْمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال /2 - 4]، فقد حَصَرَ سبحانه الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا في هذا الصنف من الناس، إِذْ جَاءَ في أوَّلِ وَصفِهِمْ بأَداةِ الحَصْرِ وهي «إِنَّمَا»، ثُمَّ أَكْدَهُ

86