السيرة النبوية (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) راجح عبد الحميد الكردي

السيرة النبوية

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

-

انفعالات محدودة:

تروي لنا كتب السيرة بعض الانفعالات من أصحاب رسول الله الله لشدة مايقع بهم من اضطهاد وأذى وتعذيب، وقد أخذت هذه الانفعالات أشكالا مختلفة، فهاهو سعد بن أبي وقاص يضرب أحد المشركين بعظم بعير فيشج رأسه، وهاهو خباب يؤدي به انفعاله إلى الذهاب إلى رسول الله الله مشتكيا، يارسول الله ألا تدعو لنا؟ فيجيبه رسول الله الله بما عرفناه من قبل، لقد كان من قبلكم يمشط بمشاط الحديد مادون عظمه من لحم أو ما يصرفه ذلك عن دينه .. الخ وهاهو عمر بن الخطاب تأبى عليه نفسه أن يهاجر مختفيا فيعلن هجرته على الملأ من قريش ويهدد ويتحدى من يلحق به وعلى كل فهي انفعالات محدودة وهى من طبيعة البشر ولا مناص منها في كل مرحلة من المراحل.

عصب

وباختصار فإن المرحلة المكية التي عاشها المسلمون بقيادة رسول الله تمثل مرحلة التأسيس لهذا الدين، وإقامة أركانه كما أنها تمثل الثبات على المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع للمساومات والإغراءات والتهديدات وصيحات التحذير التي كانت تطلقها قريش بين الحين والآخر، ومن ناحية أخرى، فإن هذه الفترة تمثل استكبار المشركين وعنادهم وغطرستهم ومحاولاتهم المستمرة داخل مكة وخارجها للقضاء على الإسلام في مهده والحيلولة بينه وبين الانتشار، وتمثل تعاليهم عن اتباع الحق، رغم وضوح الرؤيا وسطوع البرهان وقوة الحجة، وتمثل حقيقة التناقض الذي كان المشركون يعيشونه

الله والذي هو من سمات الجاهلية حينما وجد الإعراض عن منهج

- 129 -