السيرة النبوية (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) راجح عبد الحميد الكردي

السيرة النبوية

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

الواحد، وتجهل اليوم الآخر وتخلط المعروف بالمنكر.

).

-

وأما مؤاخاته عل بين المهاجرين والأنصار فيقول عنها الأستاذ السباعي إنها أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية البناءة، فالمهاجر من قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم فجاءوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئا، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعاتهم فليحمل الأخ أخاه، وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها، وليعطه نصف ماله مادام غنيا عنه، موفرا له فأي عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل هذه الأخوة؟!

إن الذين ينكرون أن يكون في الإسلام عدالة اجتماعية، قوم لايريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس، ويستولي على قلوبهم، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس، وكان في الإسلام مدلوله، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ، وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد ع بنفسه، وأقام على أساسها أول مجتمع ينشؤه وأول دولة يبنيها.

لقد أقام الرسول المجتمع المدينة – كما يقول الغزالي ـ على الإخاء

-

الكامل، الإخاء الذي تُمْحَى فيه كلمة (أنا) ويتحرك الفرد فيه بروح

الجماعة

•

ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانا دونها ولا امتدادا إلا فيها و معنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته

وتقواه …

وقد جعل الرسول هذه الأخوة عقدا نافذا لا لفظا فارغا، وعملا

يرتبط بالدماء والأموال لاتحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر

•

-178 -