التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٧

يعلّق الدّكتور فرحات الجعبيري على المسائل التي وردت في سيرة محمّد بن محبوب إلى أهل المغرب قائلا: "إنّ التّحليل الحضاري لهذه المسائل يثبت أنّ البيئة الإباضيّة في المشرق والمغرب، عرفت من التّعقيد الحضاري الشّيء الكثير، ذلك أنّه دبّ فيها الخلاف الدّاخلي، وهو من أكبر عوامل الوهن، إلى جانب ما كانت تواجهه على الجبهة الخارجيّة من ضغط الدّولة العبّاسيّة … ومثل هذا المحيط من الصّراع الدّاخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديدا من القضايا الدّقيقة في شأن أولي الأمر، خاصّة وأنّ الفكر الإباضي اتّسم من يومه الأوّل بالتّحرّي الكبير في شأن هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظّلم والظّالمين، مهما قلّت نسبة هذا الظّلم."(1)

من هذا المنظور كانت سيرة محمّد بن محبوب إلى أهل المغرب، -أو جوابه إليهم - ذات أهمّيّة؛ لأنّها أجابت عن أسئلة، سببها خلافات وقعت في المغرب، ومضمونها إجابات علميّة معتمدة على الحجّة والدّليل، وصادرة من فقيه وعالم مجتهد. والرّسالة صدرت في المراحل الأولى من بدء انتشار المذهب الإباضي في المغرب الإسلامي بخاصّة. وهي بذلك تكشف عن مستوى التّفكير عند هذه الطّائفة من المسلمين، وتبرز هذه العلاقة المبكّرة بين المشرق والمغرب.

كذا رسالة فقهاء بعض المسلمين(2) إلى الإمام الصّلت بن مالك (236 ــ 273هـ/ 852 ــ 887م) التي يرجّح الدّكتور فرحات الجعبيري أنّها من أهل المغرب.(3) هذه الرّسالة لا تخرج عن المسار والدّائرة التي دارت فيها رسالة محمّد بن محبوب في الرّوح التي تحملها، والأفكار التي تناولتها، والموضوعات التي عرضت لها، والأسباب الدّاعية إلى كتابتها. فقد كتبت في موضوع الاختلاف والشّقاق والتّنازع والتّشاجر والفتنة ثمّ الدّعوة إلى الائتلاف والاتّحاد. كما تطرّقت إلى موضوع الإمامة وشروطها وما يتعلّق بها، وأحكام الولاية والبراءة والوقوف …

جاء في افتتاحيّة السّيرة: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، إلى الإمام الصّلت بن مالك المبتلى بأمور أهل عمان، ومن وصل إليه كتابنا هذا، من المسلمين من أهل عمان، من أهل النّصيحة لهم والشّفقة عليهم، من إخوانهم وأهل دعوتهم من أهل السّتر في أمكنتهم، سلام عليكم، فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، عالم الغيب والشّهادة، وإليه المصير، ونوصيكم وأنفسنا بتقوى الله والعكوف على طاعته وإصلاح ذات بينكم، وبذل النّصائح فيما بيننا وبينكم، بصدور سالمة وحجور حليمة، وحجّة قائمة وأنفس غانمة، وقلوب صادقة وأعمال موافقة، وكلمة جامعة وعصمة مانعة، وتعاون على عظم الإسلام وعقد مواثيقه، واستكمال فرائضه باتّفاق الكلمة والوقوف على الشّبهة، وترك طلب المعايب وسلوك أبواب المعاطب، والفشل والتّنازع والفرقة بعد اتّفاق الكلمة والجماعة. فإنّ التّنازع والفرقة أعظم المعصية وأشدّ الفتنة، فاحذروا التّنازع والفتنة والتّدابر والاختلاف والتّشاجر في أمر قد كفيتم مؤونته وعرفتم عاقبته، فعاتبوا أنفسكم في خلواتكم وأرسوها واعزلوها وذمّوها، فاعترفوا بذنوبكم، وتوبوا منها إلى ربّكم، وارجعوا إلى معالم دينكم، الذي أعزّ به الله نصركم، وقوّى فيه أمركم، وأعلى به كلمتكم وجمع به ألفتكم، بمثل الذي كنتم عليه وأفضل من المحبّة والمعونة والمؤازرة وترك قيل وقال، ومسالك سبيل الضّلال، وأخلاق الجهّال، وما التّوفيق إلاّ بالله، أمّا بعد … "(4)

(1) - علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص: 33.

(2) - السّيرة مثبتة في كتاب السّير والجوابات … ج1، ص: 181 - 228، ينظر أيضا الأزهار الرّياضيّة … ج2، ص: 211 وما بعدها.

(3) - ينظر كتاب علاقة عمان بشمال أفريقيا، ص: 35

(4) - السّير والجوابات … ج1، ص: 181، 182.

٤٦ / ١٢٠