التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٩

هذه الرّسالة كشفت عن كثرة البدع، التي كانت منتشرة في وادي ميزاب، وفي الوقت نفسه أبرزت الجهل الضّارب أطنابه في أوساط الوادي، رغم مجهودات العلماء في محاربته، ونشر العلم بين النّاس.

نشير هنا إلى أنّ كثيرا من المسائل التي أثارها عمر بن يوسف بن عدّون، وراسل فيها الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، قد تعقّب أجوبتها الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش. وقد كانت بين إجابات الشّيخين بعض الاختلافات والمناقشات.(1) إنّ هذا يعدّ في حدّ ذاته نوعا من أنواع التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب.

إرسال هذه الرّسالة المتضمّنة هذه المسائل إلى عمان في هذه الفترة (القرن التّاسع عشر)، والعلم قد بدأ ينتشر في وادي ميزاب، ورأس الإباضيّة ومجتهد الأمّة الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش موجود بين النّاس بعلمه وفقهه، وتلاميذه كانوا منتشرين في قرى الوادي ــ بل إنّ العمانيّين أنفسهم كانوا يبعثون بأسئلتهم إلى الشّيخ اطفيّش، ويطلبون منه إجابات دقيقة ومقنعة ــ في هذا الوقت نجد من يتخطّى الحدود، ويتحمّل المشاق، ويبعث رسائل إلى مكان بعيد، إلى عمان ليسأل عن دينه.

إرسال أمثال هذه الرّسائل تثير أكثر من سؤال! هل إنّ زامر الحيّ لا يطرب؟ لكون النّاس كثيرا ما يحتقرون ذوي قرباهم، ولا يعيرون اهتماما لعلمائهم، ولمن يعيش بين ظهرانيهم؟ أم هو تعبير عن عدم اطمئنان بعض النّاس إلى علماء المنطقة. وخاصّة وأنّ الجهة شهدت صراعا كبيرا بين العامّة والعلماء. وقد كان بعضهم يصف العلماء بالمبتدعين، كما صنعوا مع الشّيخ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش نفسه، وهو الذي كان يشتكي من هذا التّصرّف.

في هذه الرّسالة يشتكي صاحبها من انتشار الجهل، وقلّة العلم وكثرة الابتداع … والشّكوى نفسها نقرأها في بعض الرّسائل التي أرسلها أهل عمان إلى الشّيخ اطفيّش في وادي ميزاب. والرّوح نفسها الموجودة في رسالة عمر بن يوسف إلى الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، - من الرّغبة في معرفة رأي الدّين في بعض المسائل المعروضة، - نجدها في الكتابات الموجّهة إلى الشّيخ اطفيّش … هل يمكن اعتماد التّأويل الذي قدّمناه آنفا؟ أم أنّ أهل كلّ جهة لم يقتنعوا بما كان يمليه عليهم علماؤهم، ومن ثمّ لم يطمئنّوا إلى فقه علمائهم وعلمهم، فغرقوا في البدع والخرافات.

تردّدت كثيرا عبارة " أهل زماننا يفعلون كذا " في رسالة عمر بن يوسف إلى الشّيخ سعيد الخليلي؛ ما يجغلنا نفهم: إنّه لم تُجْدِ مجهودات العلماء في التّوعية والتّنبيه إلى الأخطاء، والإرشاد إلى الصّواب: بسبب ذلك كان بعض النّاس يستعينون بعلماء الجهة الثّانية، سواء في المشرق أم المغرب. هل يمكن تبنّي هذا التّفسير والتّأويل؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يثيرها هذا التّصرّف.

مهما تكن التّفسيرات المقدّمة عن هذه الظّاهرة، فإنّها تلتقي في نقطة واحدة، وهي استمرار التّواصل الثّقافي والفكري بين المشرق والمغرب، والحرص على توثيقها وتنميتها، مهما تكن الظّروف والأحوال.

من أجوبة الإمام محمّد بن عبد الله الخليلي (ت 1373هـ/ 1953م)، الذي كانت له مراسلات كثيرة مع أهل وادي ميزاب، وبخاصّة مع قطب الأئمّة وتلاميذه، نأخذ نموذجا واحدا، وهو رسالة أرسلها إلى بعض الإخوان في ميزاب ردّا على رسالة، يبدو أنّها شكوى من بعض الخلافات، ومن

(1) - ينظر العلاّمة محمّد بن يوسف اطفيّش، كشف الكرب، ج1. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1405هـ/ 1985م، ص:. 220، والجزء الثّاني، طبع سنة 1406هـ/ 1986م، ص: 71، 75، 143،147، 165، 187، 213، 247، 347، 361.

٤٨ / ١٢٠