التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٥٠

بعض الاجتهادات التي قام بها المصلحون في وادي ميزاب، رآها خصومهم بدعا وانحرافا عن الدّين، وعن المذهب الإباضي. وقد كان ردّ الشّيخ الخليلي رائعًا وحكيمًا ومتّزنًا .. كلّه دعوة إلى نبذ الشّقاق والخلاف، وإلى الاستمساك بالوحدة والائتلاف.

جاء في الرّسالة بعد التّحيّة والسّلام(1): " … وبعد، فإنّ الوالد سيف سعيد الحاج المعولي، وصل معنا سالما، وتناولنا من يده كتبكم الحاملة لمزيد من التّحيّات، ورسائلكم الحافلة بالأبحاث في المسائل التي اختلفتم فيها، ولابدّ أن ينظر إخوانكم العمانيّون فيها، ويطبّقون المسألة على أثر السّلف الصّالح، المستخرج من الكتاب العزيز والسّنّة المطهّرة، مع أنّي إجمالا: أوصيكم بالتّثبّت في الأمور، وأن لا تعجّلوا على إخوانكم بقطع العذر والبراءة، واحتملوا للمسلمين فيما كان فيه محتمل، ومن دين المسلمين أن لا ينصِّبوا الرّأي ديناً، فإنّ الله عزّ وجلّ جعل هذا الدّين يسرا، وفتح للعلماء باب الاجتهاد، وألزم كلاّ بما أدّاه إليه اجتهاده، فيما لم يكن نصّا عن الله تعالى بكتاب صادق، أو إجماع الأمّة، لثبوت العصمة لهم، فلا يجتمعون على ضلالة، وما كان وراء ذلك فهو محلّ اجتهاد وبحث، لا محلّ قطع العذر وتخطئات، فانظروا رحمكم الله بعين البصيرة، واعتمدوا على الحقّ، فهو السّيرة التي أثرها الأسلاف، وقد رأيت في غضون تلك الورقات، ما لو برهن بالبرهان لتبيّن أيّ بيان أنّه من مسائل الاجتهاد، وأنّ للرّأي فيه مجالا، وللعلماء فيه مقالا، فلا يفضي بها إلى التّخطئات وقطع الأعذار، واعلموا أنّ النّصوص تتناهى والحوادث لا تتناهى، فاقتضت حكمة العليم الخبير الرّؤوف الرّحمن الرّحيم أن جعل للعلماء النّظر والاجتهاد، وأن يحكموا على الحوادث بما أدّاه إليه اجتهادهم في الاستنباط والوزن، والعيار لذلك جاء (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْء) فالله الله فيما يجمع الكلمة والتّآلف، ويبعد الشّحناء والتّخالف. قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) فما عني الإسلام بشيء أعظم وأطمّ من التّخالف المؤدّي إلى الفشل المنتج لانحلال القوى، وذهاب الدّول. هذا فإنّ إخوانكم أهل عمان حريصون على اجتماعكم، ونظام جماعتكم، ويسوؤهم جدّا ما يبلغهم عنكم من التّفرّق، جمعكم الله على الهدى، وسلّكنا وإيّاكم نهج سلفنا رضوان الله عليهم، فالسّلام عليكم جميعا."(2)

من بين العلماء الجزائريّين، الذين كانت لهم مراسلات مع العمانيّين الشّيخ الحاج إبراهيم بن نوح متياز (ت 1981م)، وبخاصّة مع الشّيخ سالم بن محمّد بن سالم الرّواحي العماني، سواء لمّا كان في زنجبار أم في عمان. وقد كان بينهما تبادل رسائل وقصائد، وذلك في العشرينيّات والثّلاثينيّات من هذا القرن، وكان السّؤال دائما عن أخبار الأمّة والمشايخ، وعن أنباء العلم والعلماء والكتب، وعن بعض التّفصيلات ممّا يتعلّق بأحوالهم الخاصّة.(3)

في رسالة مؤرّخة بيوم 12 من جمادى الأولى 1344هـ، يخبر ويشكر فيها الشّيخ سالم بن محمّد الرّواحي الشّيخ الحاج إبراهيم متياز على وصول هديّة من عنده، تمثّلت في كتاب التّحفة والتّوأم لقطب الأئمّة من زنجبار. وفي رسالة أخرى مؤرّخة بيوم 25 من صفر 1348هـ، أرسلها إليه الشّيخ سالم أيضا بواسطة الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1899 ــ 1981م) في أثناء اللّقاء في موسم الحجّ،

(1) - الرّسالة مرسلة إلى المشائخ صالح بن عليّ، وصالح بن يحيى، وسعيد بن عليّ الميزابيّين، وهي مؤرّخة بيوم 20 من جمادى الأولى، سنة 1373هـ.

(2) - الشّيخ محمّد بن عبد الله الخليلي، الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، طبع بإشراف عزّالدّين التّنوخي … ــ المطبعة العموميّة بدمشق ــ سنة 1385 هـ / 1965م، ص: 51، 52.

(3) - اطّلعت على مجموعة من هذه الرّسائل في مكتبة الحاج إبراهيم متياز في بني يسجن (الجزائر) يوم: 16 من جانفي 1994 م.

٤٩ / ١٢٠