التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٦هذه الرّواية تسجّل وتبيّن ــ بما لا جدال فيه ــ العلاقة الوطيدة التي تربط المشرق بالمغرب، وتبرز عمق هذا التّواصل الفكري والثّقافي.
إنّ الهيمنة الأبويّة الرّوحيّة التي تسجّل لإباضية المشرق على إباضية المغرب كانت بدافع توثيق الصّلة، والتّمسّك بقوّة بهذا الرّباط الذي يجمع المشرق بالمغرب الإسلاميين، وبنيّة تأصيل الإسلام والعروبة في أبناء المغرب الإسلامي، الذين هم في حاجة إلى من يأخذ بأيديهم من جهة(1) ومن جهة ثانية كان يهدف أهل المشرق بهذه الهيمنة إلى محاولة نصرة إخوانهم في المغرب، الذين فرّ كثير منهم إليه من ظلم الأمويّين والعبّاسيّين، وإلى حمايتهم من ضربات العبيديّين، وممّن يكيد للإباضيّة، ومن جهة ثالثة كانت الهيمنة خوفا من تخلّي النّاس عن مذهبهم، إذا تكرّر الاعتداء عليهم، ولم يجدوا من يحميهم ولو معنويًّا، ويبعث فيهم الثّقة بأنفسهم، ويعينهم على الاستمساك بمذهبهم؛ برعايتهم واحتضانهم والتّكفّل بهم في التّكوّن والتّقّف، وإشعارهم بانتمائهم إليهم، ورعاية مصالحهم ومشاكلهم. وقد سجّلت لنا كتابات المغاربة وكتب الطّبقات المغربيّة مجهودات العمانيّين في صنع التّاريخ المغربي الإسلامي.
هذه الملاحظات تبيّن لنا بوضوح لماذا كان إباضيّة المغرب يهتمّون كثيرا بتاريخ إخوانهم في المشرق بعامّة وعمان بخاصّة، ولماذا كانوا يعنون بأخبارهم وسيرهم ويدوّنونها، وفي هذا تقول سيّدة اسماعيل كاشف: " إنّ تاريخ الإباضيّة في بلاد المغرب يبيّن بوضوح صلة المغرب الإسلامي بالمشرق وبالإباضية العمانيّين، الذين حافظوا على هذه الصّلة، والذي أصبح المغرب الإسلامي بفضلها أصيلا في الإسلام والعروبة، كذلك يجد الباحث جوانب من أخبار المغرب الإسلامي العربي وتاريخ الإباضيّة فيه، وجهودهم في نشر الإسلام، وفي إنشاء الإمامة الإسلاميّة محفوظا في التّاريخ العماني القديم والحديث، ومدوّنا في سيَر الفقهاء والعلماء الإباضيّة العمانيّين"(2).
ممّا ذكرناه وعرضناه تبرز لنا أهمّية العلاقة بين عمان والمغرب الإسلامي، وانعكاساتها الإيجابيّة، التي نتطلّع إلى معرفة نتائجها على مسيرة الفكر الإسلامي بعامّة والإباضي بخاصّة. ودارسة هذه العلاقة ضروريّة، لتعريف الخَلَف بها، ولتوثيق التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب، ولتصحيح بعض المفهومات الخاطئة، وإزالة الشّوائب التي شانت هذه العلاقة أو ألصقت بها، ثمّ العمل على تطويرها، بما يعود على الإسلام بالخير والفائدة.
في الصّفحات الآتية نحاول عرض العلاقة بين عمان والجزائر؛ لأنّها علاقة متجذّرة في التّاريخ، تمتدّ إلى القرون الأولى للهجرة، وما تزال تشهد تطوّرات إيجابيّة كلّ يوم. نريد الكشف عن التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر؛ لأنّه مجهول عند الكثير من الدّارسين، فضلاً عن عامّة النّاس. وقد فسّر عند بعضهم تفسيرًا خاطئًا، أو لم يفهم فهمًا سليمًا ..
نحاول التّعرّض لبعض جوانب هذا التّواصل الثّقافي، من دون تناوله كلّه؛ إذ أنّ هذا غير ممكن في دراسة محتشمة محدودة. وقد أسقطنا مثلا في دراستنا هذه ما يتعلّق بجانب الشّعر، أي تبادل القصائد بين المشرق والمغرب. وهو جانب مهمّ، في حاجة إلى دراسة خاصّة ومركّزة، ونحن لا نملك كمّا هائلا من هذه القصائد التي تسمح لنا بالقيام بهذه الدّراسة.(3)
(1) - ينظر كتاب حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة، مج3، ص: 265.
(2) - م. س. ص:301.
(3) - الأستاذ محمد بن أحمد جهلان، يعدّ أطروحة دكتوراه في الموضوع، خصّصها للتّبادل الأدبي بين أدباء عمان والجزائر. سجّلها في قسم اللّغة العربيّة وآدابها، كليّة الآداب واللّغات، جامعة الحاج لخضر (1)، باتنة، الجزائر.