التواصل الثقافي بين عمان والجزائر محمد بن قاسم ناصر بوحجام

التواصل الثقافي بين عمان والجزائر

الجزء ١ · صفحة ٥

يجب أن نسجّل ونثبت أن هذه العلاقات كما يقول الدّكتور فرحات الجعبيري "انطلقت من منطلق عقدي واحد، ازداد تعمّقا عبر الزّمن"(1). من هذه الحقائق نقول: إنّ هذه العلاقات تعبّر عن الوحدة الفكريّة، التي تحرص الإباضية على المحافظة عليها في كلّ ممارساتها ونشاطها قدر المستطاع.

بما أنّ عمان هي الموطن الأمّ للإباضيّة، فقد كان العمانيُّون يرون أنفسهم أوصياء على إخوانهم في المغرب؛ ولهذا كانوا يتولّون شؤونهم، كما كانوا يعدّون هذه الجهة من العالم الإسلامي جزءا لا يتجزَّأ منهم، وأنّ أمر المغرب أمرهم، وأئمّة المغرب أئمّتهم، ونرى مثلا في باب (ذكر من أخذ عنه أهل عمان دينهم الصّحيح) الذي أورده الإمام السّالمي(2) يقول " ثمّ الجلندي بن مسعود الإمام العماني، وأبي الخطاب وعبد الرّحمن بن رستم الإمامين المغربيّين وأصحابهم، ومن كان في طبقتهم، ثم محبوب بن الرّحيل، وهاشم بن عبد الله الخراساني، وموسى بن أبي جابر" ..(3)

قَرنُ الشّيخ عبد الله السّالمي (ت 1914م) هؤلاء الأئمّة في حديث واحد، وذكرُهم في سياق واحد، وخلع صفة الإمام المعلّم على المشرقي والمغربي على السّواء، يدلّ على هذه اللّحمة القويّة التي تربط تاريخ المغرب بتاريخ عمان، بل إنّ من يدرس أو يقرأ كتاب " السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان " بجزأيه، يقف على هذه الحقيقة، وهي أنّ الإباضيّة عموما يعدّون أنفسهم وأمرهم واحدا: المشرقيّ منه والمغربيّ. ففي سيرة الإمام محبوب بن الرّحيل (عاش في القرن الثّاني الهجري وأوائل الثّالث الهجري) إلى أهل عمان يقول: "وكانت المحكّمة واحدا، لو حكم رجل من المغرب تولاّه من كان منهم بالمشرق، ولو حكم من كان بالمشرق تولاّه من كان بالمغرب."(4)

معاملة الإباضيّة بعضهم بعضا بهذه الطّريقة، ونظرتهم لبعضهم نظرة احترام وتقدير يدلّ على التّلاحم ووثوق الصّلة بينهم. ومن الأمثلة التي تثبت ذلك ما سَجّلتهُ المصادر الإباضيّة من أنَّ الرّسل التي أرسلت حاملة لإعانة ثانيّة للإمام عبد الرّحمان بن رستم (ت171). واعتذاره هو عن قبولها؛ لأنّ أهل بلده ليسوا بحاجة لها، إذ هم يتمتّعون بالرَّخاء والعدل، بينما أهل المشرق (مصدر الإعانة) هم أولى بها. فبعد ردّ عبد الرّحمن بن رستم هذه الإعانة؛ زهدا وورعا ومراعاة لحال إخوانه في المشرق: "اجتمع الإباضيّة وقرّروا أنّ الإمام عبد الرّحمن جدير بأن يكون خلفا لأبي بلال مرداس وطالب الحقّ وأبي حمزة المختار(5) حتّى وإن كان الاعتراف قد حصل بعد رجوع الرّسل من تيهرت إلى البصرة، بعد تسليم عبد الرّحمن الإعانة، إلاّ أنّ "هذا الاعتراف لم يأخذ الشّكل الكامل إلاّ بعد أن أرسلوا له هذه المرّة عشرة أحمال من الأموال مع نفس الرّسل السّابقين".(6)

(1) - ينظر الشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج1، ص: 65، 66.

(3) - الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف، "إباضيّة عمان ونشر الإسلام في بلاد المغرب"، ينظر كتاب: حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة، المجلّد الثّالث، ط2، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة 1406هـ 1986م، ص: 302.

(4) - كتاب السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج1، تحقيق وشرح الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف. ط2. مطابع دار جريدة عمان للصّحافة والنّشر، رويّ. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة: 1410هـ/ 1989م، ص: 297. ينظر ما يعضد هذه الفكرة، وعدّ التّاريخ المغربي جزءا من التّاريخ العماني، ينظر ذلك كتاب: حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة، مج3. ص: 305، 306.

(5) - حصاد ندوة الدّراسات العمانية مج3، ص293. ينظر هذه الحقيقة ابن الصّغير، أخبار الأئمّة الرّستميّين، تحقيق وتعليق الدّكتور محمد ناصر والأستاذ إبراهيم بحّار. المطبوعات الجميلة، الجزائر، سنة 1986. ص:32،33.

(6) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 137.

٥ / ١٢٠