التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٦٢إنّ التّواصل الثّقافي بين عمان والمغرب الإسلامي بعامّة والجزائر بخاصّة كان ذا أهمّيّة كبيرة في مسيرة الفكر الإباضي على الخصوص. وقد ساعد ذلك على بروز هذا الفكر، وإثبات وجوده ضمن حركة الفكر الإسلامي بعامّة؛ رغم ما لقيه من مضايقات ومحاولات طمسه. وقد كشفت المظاهر التي تمّ بها هذا التّعاون الثّقافي الظّروف النّفسيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، التي عاشها الإباضيّة في المشرق والمغرب:
1) لقد كان هذا التّواصل الثّقافي نتيجة التّعاون الجاد والقويّ، الذي حصل بين عمان والمغرب الإسلامي. ومظاهر هذا التّعاون تمثّلت في الزّيارات المتبادلة، واللّقاءات التي تتمّ بين أهل المشرق وأهل المغرب، وفي موسم الحجّ بخاصّة. وفي تبادل الكتب والمراسلات، وفي الاستفتاء والاستشاررات، والتّعاون في التّأليف، وفي حسن الرّعاية والعناية التي تتلقّاها الجهة التي يدبّ فيها الضّعف والوهن، أو تشعر بالعجز عن القيام بنفسها وشؤونها؛ فتستمدّ الطّاقة الماديّة من الجهة الثّانية، كما تسترفد منها الطّاقة الرّوحيّة، التي تمكّنها من الثّبات والصّمود في الميدان أمام الزّوابع والزّعازع ..
2) كلّ ذلك أثمر وحدة في المشاعر، ووحدة في التّصوّر، ووحدة في الفكر بين الإباضيّة: المشارقة والمغاربة ــ إلاّ ما شذّ وندر ــ وقد كانت لذلك نتائجه المهمّة في المحافظة على كيان المذهب الإباضي وبلورة آرائه.
3) حمل هذا التّواصل الثّقافي عصارة أفكار أئمّة هذه الجماعة وعلمائها، ونقل سجلّ آلامها وآمالها، التي هي من جملة هموم الأمّة الإسلاميّة واهتماماتها في إقامة الدّين، والتّمكين للإسلام في الأرض ومحاربة كلّ ما يمسّ وينال الإسلام. كما أسهم هذا التّواصل في إيجاد أرضيّة ملائمة تتحرّك عليها جماعة من المسلمين؛ لتعمل في سبيل خدمة الثّقافة الإسلاميّة، بإبراز جانب من إسهامات الفكر الإسلامي، الذي كان قد يخسر جزءا منه، لو قدّر للفكر الإباضي أن لا ينتشر؛ إذ أنّ الذي أعان على استمرار عطاء الإباضيّة والإنتاج هو هذا التّعاون والتّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب.
4) إنّ العلاقات الثّقافيّة بين إباضيّة المشرق والمغرب لم تنقطع أبدا، قد تضعف أحيانا، بسبب الظّروف القاسية التي مرّ بها الإباضيّة، لكن ما تفتأ أن تعود من جديد، وقد يبدو للدّارس أنّ هناك انقطاعا في هذه العلاقات الثّقافيّة، وذلك بسبب سكوت المصادر والمراجع عن ذكر هذه الصّلات الثّقافيّة. وهو من جملة ما أوجد ثغرات كثيرة في تاريخ الإباضيّة بعامّة.
5) توسّع هذا التّواصل خارج دائرة الفكر الإباضي، خاصّة في السّنوات الأخيرة، ليشمل مجالات متعدّدة، وجهات رسميّة وغير رسميّة، وشخصيات متنوّعة التّخصّصات والاهتمامات، وبخاصّة في الميدان الثّقافي .. هذه هي الدّلالة التي يحملها عنوان الدّراسة، والهدف من القيام بها، وهو السّير بالعلاقة إلى التّواصل والاستمراريّة والتّطوير … بدل البقاء بها في حدود الحكاية والرّواية للماضي، بما تدلّ عليه كلمة علاقة ..
6) إنّ فضل عمان على المغرب الإسلامي كان كبيرا، وبخاصّة في مرحلة النّشأة؛ وقد ظلّ أهل المغرب في صلة تامّة مع أهل المشرق: استفتاء واستشارة في الكبيرة والصّغيرة، وتعلّما وتكوّنا … وكان أهل عمان قد تحمّلوا مسؤوليّة رعاية الدّولة الرّستميّة ماديّا ومعنويّا، وتمكّنت بفضل ذلك من الوقوف على قدميها وبناء كيانها، والإسهام بدورها في النّشاط الثّقافي والفكري. وقد استمرّت هذه الرّعاية حتّى بعد سقوها، وكان من نتائج ذلك ردّ أهل المغرب بعض الجميل. فقد كان لهم بعض الفضل على عمان في بعض الفترات، خاصّة في العهد الأخير. هذا هو التّواصل الثّقافي.