التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٨والتّنقّل من مكان إلى مكان، لنشر أفكارهم، والدّعوة لمذهبهم. وقد كان من بين المناطق التي رحل إليها الإباضية المغربُ الإسلامي. وأوّل من قدم إليه داعيا إلى المذهب الإباضي هو سلمة بن سعد الحضرمي، الذي وصل إلى هذه المنطقة في بداية القرن الثّاني الهجري على الأرجح.
بفضل مجهودات هذا الدّاعية ورفاقه أخذ هذا المذهب في الانتشار في المغرب الإسلامي. وهو ما استدعى التّفكير في إعداد رجال يحملون هموم المذهب، ويتحمّلون مسؤوليّة التّعريف به. إنّ هذه المهمّة بدورها تتطلّب التّفرّغ لطلب العلم، والتّفقّه في الدّين، والاجتهاد في الاستعداد الجيِّد، والتّكوّن الصّحيح السّليم، لذا اتّفق أهل المغرب مع مركز القيادة الإباضيّة في البصرة على إرسال مجموعة من الطّلبة إليها لهذا الغرض.
فعلاً رحل إلى البصرة(1) أربعة طلبة من المغرب الإسلامي هم: عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السّدراتي، وأبو داود القبلّي النّفزاوي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، ثم انضمّ إليهم في البصرة أبو الخطاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري اليمني.
قال الشّيخ عليّ يحيى معمّر (1919 ــ 1980م) عن سلمة بن سعد وعن منهجه السّليم في الدّعوة إلى الإسلام: إنّه كان "يتخيّر الشّباب الذين يتوسّم فيهم الصّفاء والذّكاء والنّبوغ، ويدعوهم إلى السّفر إلى المشرق لاستكمال دراستهم على كبار تابعي التّابعين … وقد استطاع أن يرسل الفوج الأوّل من تلميذ واحد(2) إلى البصرة ثمّ استطاع أن يكوّن بعثة من أربعة طلّاب(3) " وقد مكث هؤلاء الطّلبة في البصرة خمس سنوات (135 ــ 140هـ) يتلقّون العلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت145هـ)، رجعوا بعدها إلى المغرب الإسلامي ليبدؤوا العمل في الدّعوة ونشر العلم، وهم الذين عرفوا بحملة العلم إلى المغرب. تعدُّ هذه الرّحلة هي البداية الحقيقيّة في التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب.
حتّى تكون الانطلاقة حسنة، والبداية قويّة، والعلاقة الثّقافيّة بين عمان والبصرة مع المغرب مؤسّسة على أسس صحيحة، فإنّ أبا عبيدة الزّعيم الرّوحي للإباضيّة بعد الإمام جابر بن زيد (ت 93هـ) قدّم لحملة العلم الخمسة إلى المغرب ــ بعد انتهاء مدّة تعلّمهم عليه ــ وصايا ونصائح، وفيها
(1) - كانت البصرة في تلك الفترة إحدى المراكز العلميّة المهمّة في البلاد الإسلاميّة، كما كانت مقرّا للعلماء الأعلام من أهل عمان، حتّى كادت أن تكون عمانيّة كما تقول الدّكتورة سيّدة كاشف. بل كانت البصرة في عمومها عمانيّة في سكّانها وعلمائها؛ لذا فإنّ الاتّصال بالبصرة معناه الاتّصال بعمان في تلك الحقبة.
(2) - هذا التّلميذ هو أبو عبد الله بن مغطيرالجناوني النّفوسي، الذي كان أوّل من جمع القرآن كلّه في جبل نفوسة وحفظه. وقد كان أوّل مغربي يسافر لطلب العلم. ينظر: كتاب حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة مج3، ص: 274، 275. وعن هذا التّلميذ ينظر أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشّماخي، كتاب السّير ج1، تحقيق أحمد بن. سعود السّيابي، مطابع النّهضة، مسقط، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة1407 هـ/ 1987م، ص: 128.
(3) - علي يحيى معمّر، الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة الرّابعة: الإباضية في الجزائر ط1، مطبعة الدّعوة الإسلاميّة، القاهرة. نشر مكتبة وهبة القاهرة. سنة1399هـ/ 1979م، ص: 23، 24.