التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٩مكّن وسَمح لعبد الرّحمن بن رستم بأن يفتي بما سمع منه، وبما لم يسمع، وأمر أبا الخطّاب أن يفتي بما سمع منه فحسب، وأمر أبا درار ألاّ يفتي تماما، لا بما سمع منه ولا بما لم يسمع.(1)
تدلّ هذه الوصيّة القصيرة على هذه العلاقة الرّوحيّة والأستاذيّة، التي ربطت أبا عبيدة البصري بطلبته المغاربة، وحرصه على بقائها ودوامها بين المشرق والمغرب، وعلى إخلاص الشّيخ نحو أبنائه الرّوحيّين، ورغبته وأمله في رؤية طلبته نجوما ساطعة وشموعا مضيئة ورجالا أكفَاء في الميادين التي يتولّونها؛ ولذلك سمح الإمام أبو عبيدة لنفسه أن يمنح لعبد الرّحمن بن رستم الحرّية في الإفتاء، وأن يمنع أبا درار الغدامسي منه، ويقيّد مجال الإفتاء لأبي الخطّاب. لكنه لم يعارض اسماعيل بن درار حينما سأله في أثناء الوداع، بعد انتهاء مدّة التلقّي والتّعليم نحو ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام. وقال له: أردتَ أن تكون قاضيا يا ابن درار، فقال له: أرأيتَ إن ابتُلِيتُ بذلك يا شيخ …(2)
كان حملة العلم إلى المغرب قد استشاروا شيخهم أبا عبيدة واستأذنوه في أن يؤمّروا عليهم أحدا إن أنسوا من أنفسهم قوّة، وكان في مقدورهم إقامة دولة، وقد أذن لهم بذلك. بل حذّرهم من التّأخّر في هذا الإنجاز، وأشار إلى أبي الخطّاب، وقال لهم: إن أبى فاقتلوه.(3)
هذه الشّذرات تُبِين عن هذه العلاقة الرّوحيّة التي كان لها شأن كبير في تمتين الصّلة بين المشرق والمغرب فيما تلا من الأيّام.
حدث وأن وقع خلاف بين المسلمين(4) (الإباضيّين) في مسألة الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبّار، اللّذين وجدا مقتولين، وقد دُسَّ من يضع سيف كلِّ واحد منهما في جسم الثّاني أو جثّته؛ ليقال: إنّهما قَتَلَا بعضهما. وكانت الدّسيسة من تدبير والي القيروان عبد الرّحمن بن حبيب(5) الذي خاف من قيام الدّولة الإباضية من جديد: "وأن يبايع الإباضية في أفريقيا والمغرب الأوسط الإمامة في طرابلس، فضلا عن أنّ قيام الدّولة الإباضيّة في طرابلس سيقطع صلته بالمشرق"(6).
هذه الحادثة أثارت الفتنة بين صفوف الإباضيّة وخلافا كبيرا بين من يرى التبرّؤ من الرّجلين، ومن يرى توليتهما، ومن يفضّل الوقوف فيهما، فلمّا اشتدّ الخلاف كان الملجأ والمفزع والموئل هو المشرق وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالذّات، ليُعرَض عليه الأمر ويُسْتَشارَ فيما يجب عمله، وكانت الإجابة واضحة ومقنعة(7). وقد تضمّنت الرّسالة محاور عدّة. من بينها الحضُّ على التّقوى والمحافظة على الأخوّة الإسلاميّة، ونبذ التّنازع والاختلاف، وبسط الحديث عن قضيّة الحارث وعبد الجبّار، وما
(1) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص22.
(2) - ينظر أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، تحقيق وتعليق اسماعيل العربي، نشر المكتبة الوطنيّة، الجزائر سنة 1399 هـ/ 1979 م، ص: 36. وسيرالشّماخي ج1، ص: 127.
(3) - ينظر كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 36. وسير الشّماخي، ج1، ص: 114.
(4) - كلمة المسلمين أو جماعة المسلمين تعني الإباضيّة، فيما كتبه أصحاب هذا المذهب في النّصوص المتقدّمة. إذ أنّ كلمة" الإباضيّة " لم تظهر في كتاباتهم إلاّ متأخّرة في حدود القرن الثّالث الهجري، ينظر مثلا الدّكتور فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، سنة 1408 هـ /1987 م، ص: 56.
(5) - كان الإباضيّة - بعد مقتل زعيمهم في طرابلس سنة 127هـ/745م - قد انتخبوا الحارث بن تليد الحضرمي 131هـ/749م إمام دفاع لهم. واختار الحارث عبد الجبّار بن قيس المرادي ليكون قاضيا ومستشارا له.
(6) - حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة مج3، ص282.
(7) - تراجع الرّسالة كاملة، الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي، أبو عبيدة آثاره وفقهه، رسالة دكتوراه، الحلقة الثّالثة (مخ)، الكليّة الزّيتونيّة للشّريعة وأصول الدّين، الجامعة التّونسيّة، السّنة الدّراسيّة: 1989/ 1990م، الملحق، ص: 674 – 679.