الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ١١٢

وأمكن تعدية حكم الأصل إلى كل ما يشترك مع هذا الأصل في العلة وثبت مثل حكمه فيه، وذلك كحرمة الخمر، فإن علة هذه الحرمة وهي الإسكار يمكن للعقل أن يهتدي إليها فيعدي هذا الحكم وهو الحرمة إلى كل مسكر كالنبيذ مثلاً، فإن كانت علة الحكم يدركها كل من يفهم اللغة كعلة حرمة التأفيف بالنسبة للوالدين، فهذه العلة وهي الأذى التي يدركها كل من يفهم الألفاظ ومعانيها فلا اعتبار لها في مجال القياس، ولا اعتبار إلا للعلة التي تدرك بالنص عليها في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو بالاجتهاد والرأي.

- أن يكون هذا الوصف ظاهراً، فلا يجوز التعليل بالخفي، وهو الذي لا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة لأن العلة معرفة للحكم الشرعي الذي هو خفي، فلا بد وأن يكون المعرف وصفاً جلياً لأن الخفي لا يعرف الخفي.

ف الإسكار علة في تحريم الخمر، لأنه وصف ظاهر يدرك بالحس فيصلح أن يكون علة، والتراضي بين المتعاقدين في البيع مثلاً لا يصلح أن يكون علة في نقل الملكية لأنه وصف خفي لا يدرك بالحس، والقدر مع اتحاد الجنس يصلح أن يكون علة في الأموال الربوية، لأن العلة وصف ظاهر يدرك بالحس، وحصول نطفة الزوج في رحم الزوجة لا يصلح أن يكون علة في ثبوت النسب لأنه وصف خفي.

وذهب أكثر الأصوليين إلى أن الخفاء في العلة لا يقدح فيها، لأن العلة تكون خفية في نفسها، لكن تكون جلية بحسب أمر خارج كرضا المتعاقدين في البيع، إذ هو أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه لكنه جلي بالنسبة لما يدل عليه من الإيجاب والقبول، فصلح أن يكون الرضا في هذه الحالة علة مع كونه وصفاً خفياً لأنه جلي باعتبار أمر

خارج.

- أن يكون هذا الوصف منضبطاً - أي يستوي بالنسبة له جميع الأفراد – وذلك كالسفر فإنه علة في قصر الصلاة والسفر وصف منضبط لأن له حقيقة معينة لا تختلف باختلاف الأفراد والأحوال.

وإنما كان الانضباط لابد منه في الوصف لأن مبنى القياس على التساوي بين الأصل والفرع في علة الحكم، فإن كانت العلة من الأوصاف التي تختلف باختلاف الأفراد والأحوال لم يتأت التساوي الذي ينبني عليه القياس، وعلى هذا لا يصلح أن تكون المشقة علة في إباحة الفطر في رمضان للمسافر، لأن المشقة من الأمور التي

122