الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

1 - أما ما ورد في الآيات مما ظاهره وجوب الأمر بالاقتداء بمن قبلنا في التشريع، فإن المراد ما اشتركوا فيه جميعاً من أصل التوحيد وأصول الشرائع في الجملة، أو ما اتفقت فيه شريعتنا مع شريعتهم. والقول بأن تخصيص تلك الأدلة بما ذكرنا يلزم منه أن يكون ادعاء عارياً من الدليل ترده الأدلة التي دلت على عدم اعتبار شرع من قبلنا شرعاً لنا، فهي كافية في إثبات

المدعى.

2 - وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (1)، مع قوله تعالى: وأقم الصلاة لذكري) (2)، فيمكن مناقشة الاستدلال به بأن هناك ما يدل " على أن أمة محمد مأمورة بذلك بطريق الوحي كما أمر موسى بذلك - وأما قوله - عليه الصلاة والسلام -: «كتاب الله القصاص»، أو «كتاب الله يقضي بالقصاص» في قضية السن المكسورة، فالمراد من الكتاب هنا الشرع، فقوله: «كتاب الله القصاص (أي شرعه، وليس المراد منه عين التوراة، فليس فيه مايعين الكتاب الذي فيه هذا الحكم، لأن الكتاب كما يطلق على الكتاب المنزل المكتوب يطلق على الشرع نفسه.

- وأما مراجعته - عليه الصلاة والسلام - التوراة في رجم اليهوديين، فليعرفهم أن ذلك ليس مخالفاً لدينهم ليكون أدعى لهم للاتباع والتصديق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الرجم في حق أمته - عليه الصلاة والسلام - مأمور به استقلالاً فيما روي مما كان يتلى: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " فنسخت تلاوته وبقي حكمه - كما هو معروف -.

على أن القائلين بأن شرع من قبلنا حجة يلزمنا العمل بها قلما يحتجون به في مسألة إلا ويعضدون احتجاجهم هذا بدليل آخر ثابت في شرعنا ومقبول لدى الجميع على وجه الإجمال كما يظهر لمن تتبع الفروع الفقهية التي ذكر فيها الاحتجاج بشرع من

قبلنا

إذاً فالخلاف يقرب أن يكون خلافاً لفظياً، يوضح ذلك أننا نجد القائلين بنفيه كثيراً ما يستأنسون بنصوص تذكر أحكاماً وردت في شرع من قبلنا، وإن كانوا لا يعتمدونها أصلاً في المسألة.

(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس ولفظه: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصلها إذا ذكرها» (الجامع الصغير) (2/ 561) (2) سورة طه، الآية: 14.

253