جلي الشروح على نونية فتح بن نوح شرح القصيدة النونية في التوحيد
الجزء ١ · صفحة ١٩التعريف بالمنظومة
19
أكتشف
للتعمق في معانيها، وكلما تعمقت في معانيها، وغصتُ وراء حرفية ألفاظها، من المعاني ما لا يخطر ببال من قرأها قراءة سرد لا قراءة درس، وكلَّما وقفت على مكنونات ألفاظها الغامضة ومدلولاتها أطير فرحا بهذا الإنجاز، وكلَّما حللت عويصة من عويصات ألفاظها ومعانيها البعيدة لأقربها إلى ذهن القارئ غمرتني نشوة من نشوات النجاح وطربتُ بما لا يعلم حلو أنغامه في نفسي إلا الله الملك الوهاب، وكأن حالي حينها قول الشاعر: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناقي وتمايلي طربا لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساقي وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفّها نقري لألقي الرمل عن أوراقي أأبيت سهران الدجا وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي"
ومما أثار همتي وهز مشاعري وأذكى فضولي في شرح هذه القصيدة الماتعة الرائعة التي تزيد الذكي ذكاء والألمعي فطنة، هو ما أجده في أبياتها الألغاز اللفظية ما يخاطب بها عقول العقلاء وفطنتهم، كما في البيت الخامس من القصيدة الذي يقول فيه:
من
ألا بدلوا قافا بعين وصادها بقاف وصونوها عن الصحف واللحن
فهو يريد منا أن نجعلها «عقيدة» بَدَلَ «قصيدة»، وذلك بإبدال الحروف وهذا يدل على ذكاء نادر فيه وعبقرية فذة، وحسن تصرف بديع، وملكة في النظم والتعبير، فكان هذا البيت دافعا لي للخوض في غمار هذه القصيدة
(1) الأبيات منسوب إلى الزمخشري انظر المقدم محمد أحمد إسماعيل المقدم، علو الهمة، الدار العالمية للنشر والتوزيع، تاريخ الطبعة: 1434 هـ / 2003 هـ، ص 168، وقيل هي للإمام الشافعي في ديوانه.