كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

الافتراق الرابع من الإباضية

وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا سليمان بن يعقوب بن أفلح انتحل بعض العلوم ومدارسة الكتب، فحذر أبوه منه جماعة أهل ورجلان، وقال لهم: لا تطمئنوا إليه فإنه درس ديوان أحمد بن الحسين. فلما مات يعقوب بن أفلح، اجتمع إليه جموع أهل ورجلان فجهزوه ودفنوه بمقبرة أبي صالح جنون بن يمريان رضي الله عنه وقبره في عصرنا هذا لم يندرس كأنه ربوة. وكان أهل ورجلان قد أجدوا الضيافة لأبي سليمان ابن يعقوب وأصحابه، والناس يتهمونه على مسائل منها تنجيس الفرث، فأرادوا استخراج ذلك وتجربته وصنعوا له طعاما عليه العصب فيه فرث، فدعوه وأصحابه إلى الطعام، وذلك بعد صلاة العصر. فلما حضر الطعام بين يدي أبي سليمان وأصحابه وعليه عصب، أخذ أبو سليمان عصبة واحدة فشمها فأحس فيها الفرث، فرمى بها وألقاها، وقال: هذا طعام منجوس. فقال له أصحاب الطعام، ماذا نفعل بالطعام؟، فقال لهم: احفروا له وأفنوه وقطع عذر من أكله. فبلغ الشيخ صالح جنون بن يمريان رضي الله عنه ما فعل، وكان الشيخ صائما وأخبروه بتنجيسه طعاما طبخ فيه الفرث، وأخذ ذلك بمسامع أهل ورجلان، وتخوف الشيخ من الفتنة، وارتاب كثير من الناس في ذلك الطعام، وأبى أهله أن يطعموه حتى يأكل منه الشيخ، فلما رآهم كذلك مضى في جماعة من أصحابه إلى الدار التي بها الطعام فاستأذن، فأذن له أصحابه، فدخل فدعى بماء وغسل يديه وقربوا له الطعام، فأفطر وأكل هو وأصحابه، وقضوا حاجتهم. ثم إنه كان بين الشيخ وبين أبي سليمان على ذلك مشاجرة ومنازعة عن تلك المسألة، فقال له الشيخ: إن شئت باهلتك. فقال له أبو سليمان: أجل. واتفقا أن يبتهلا يوم الجمعة، ثم إن الشيخ أخذ في العبادة والابتهال إلى الله أن ينصر أحب الفريقين إليه. فلما كان يوم الجمعة اقترعا بين كريمة وتيسر سرين، فوقعت قرعة الشيخ على تيسر سرين، وتوجه نحوها، وتوجه أبو سليمان إلى كريمة، فعمل الشيخ بتيسر سرين مصلى، وهو اليوم معروف، فمكثا بقية يومهما يدعوان الله على المبطل، ثم رجعا فمكث أبو سليمان بعد ذلك ففضحه الله وكان من تبعه على أثره حتى أباد الله جملتهم، وقد أفتى لهم في /126/

١٢٤ / ٢١٠