كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٦ولاية عبد الوهاب بن عبد الرحمن
فلما مات عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه وغفر له، اجتمع أهل الشورى على من يولونه أمور المسلمين فتدافع بعضهم إلى بعض، إلا أن عامة المسلمين مالت أنفسهم إلى اثنين منهم، أحدهما مسعود الأندلسي والآخر عبد الوهاب رضي الله عنه، فبعض المسلمين أرادوا تولية مسعود وبعضهم أراد تولية عبد الوهاب، فمكثوا حوالي شهر يديرون الرأي فيما بينهم. ثم إن العامة مالت إلى مسعود فبادروه ليبايعوه، فهرب لهم واستخفى، وابتدروا عبد الوهاب فلما سمع مسعود بتركهم لمبايعتهم له وإرادتهم مبايعة عبد الوهاب رضي الله عنه خرج مبادرا ليكون أول من يبايع عبد الوهاب هو. وكان أبو قدامة حين لم تمل أعين الناس إليه ولم تنصرف قلوب المسلمين لديه، ورأى أنه قد خلا منها، أراد تولية عبد الوهاب، وقال: هو أقرب منا رحما من غيره، ولعل ذلك أن يعطفه علينا، لأن أم عبد الوهاب يفرانية، فرجوا فيه أن يؤثرهم في الأمور لأنه ابن أختهم، فقام أبو قدامة في نفر من أصحابه، فأبوا إلا مبايعة عبد الوهاب، للمناسبة التي بينهم، فطمعوا فيه أن يؤثهم على غيرهم، ولكن تخوفت أنفسهم من جهته. فلما أراد الناس مبايعة عبد الوهاب رضي الله عنه تقدم مسعود الأندلسي ليبايعه فتكلم يزيد بن فندين وأصحابه، فقالوا: نبايعه بشرط ألا يقضي دون جماعة معلومة. فقال لهم مسعود: ما علمنا من أمور الإمامة شرطا غير أن تحكم فينا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ص، وآثار الصالحين قبله، فترك ابن فندين وأصحابه الشرط، حين رد عليهم المسلمون، فتقدم مسعود فبايع عبد الوهاب رضي الله عنه، وبايع الناس بعد ذلك بيعة عامة فحملوه إلى دار الإمامة، فلم يختلف عن بيعته أحد، ولم ينقم عليه أحد في أمور حكومة ولا في خصومة، حتى نجم ابن فندين وأصحابه. /56/