تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨288
تبصير العقول بعلم الأصول
وممن اعتمد في الاستدلال بهذا الحديث وتمسك به تمسكا قويا الشوكاني في إرشاد الفحول حيث يقول: «وقد طول أئمة الأصول الكلام في هذه المسألة، وأوردوا من الأدلة ما لا تقوم به الحجة ولم يأتوا بما يشفي طالب الحق، وههنا دليل يرفع النزاع ويوضح الحق إيضاحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب وهو الحديث الثابت في الصحيح من طرق أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر ـ قال ـ: فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له: مصيب ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطئ، واستحقاق الأجر
لا يستلزم كونه مصيبا، واسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المجتهدين - أي في هذا الحديث ـ قسمين: قسما مصيبا وقسما مخطئا ولو كان كل واحد منهم مصيبا لم يكن لهذا التقسيم معنى فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن الحق واحد، ومخالفه مخطئ مأجور إذا كان قد وفّى الاجتهاد حقه، ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون به مجتهدا … على أن ترك التثريب - أي لم يترتب عليه إثم وعقاب - لمن قد عمل باجتهاده لا يدلُّ على أنه أصاب الحق بل يدلُّ على أنه قد أجزأه ما عمله باجتهاده، وصح صدوره عنه لكونه قد بذل وسعه في تحري الحق وذلك لا يستلزم أن يكون هو الحق الذي طلبه الله من عباده).
ثانيا: ومما استدل به هذا الفريق أن الصحابة له ولو كان يخطئ بعضهم بعضا كما يدل على ذلك صريح عبارتهم، وقد ينسب بعضهم الخطأ في الاجتهاد إلى نفسه مما يستفاد منه أن الصواب لا يكون إلا دون بقية المجتهدين حينما يقع الخلاف بينهم في
المسألة.
مع
واحد منهم
(1) إرشاد الفحول، ص 261.