تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣الباب الثامن: الاجتهاد والتقليد
293
واستدلوا بقوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] فالحكم يرد إلى أهل الاستنباط. أما الإجماع الذي اعتمد عليه أرباب هذا القول فصورته أن العوام من المكلفين كانوا يرجعون في أمر دينهم إلى المجتهدين يستفتونهم ويعملون بأقوالهم، ويعتمدون على آرائهم زمن الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - وهكذا زمن التابعين قبل حدوث هذا الاختلاف في المسألة ولم يكن هناك أحد زمن ذينك العصرين عصر الصحابة وعصر التابعين فهناك من
نكير من
يفتي وهناك من يستفتي وهناك من يقرر ذلك الأمر.
وليس المقصود أن العامة كانوا يرجعون إلى العلماء ليبينوا لهم طرق الأحكام ويفتوهم بالنصوص التي يعرفونها من الكتاب والسنة أي إنهم كانوا يسألون العلماء عن الحجة الشرعية للمسألة وليس عن آرائهم فإن هذا بعيد؛ إذ لم ترد رواية تدلُّ على ذلك؛ أي على أن المجتهد يبين لذلك العامي الذي سأله وأراد تقليده في مسألة من المسائل وجه القياس ومسلك العلة الذي أخذ به وبين له الأصل والفرع والعلة والحكم أو بيّن له أن دليل أخذه من الآية الفلانية أو الحديث الشريف ويبين له صحة الحديث ومن أين أخذه ونحو ذلك من طرق الاستدلال.
وإنما يسأله العامي فيجيبه المجتهد بالقول الذي ترجح لديه وأخذ به، على أنه يجب على المقلّد أن يبحث عن حال من يقلده ويأخذ برأيه ويعتمد على اجتهاده من العدالة والصلاح حتى يأمن الكذب في الفتوى، كما يبحث عن قدرته العلمية حتى يأمن كثرة الخطأ والزلل والتقول بغير علم، فإذا عرف منه العدالة والتبحر في العلم أخذ عنه حينئذ واطمأن إلى رأيه، أما أن يأخذ عن غيره دون التحرز من ذلك بحيث يتابعه في قوله أصاب أو أخطأ ومن غير معرفة أنه ذو علم وعدالة فهذا تقليد منهي عنه شرعا.