تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٤٨48
تبصير العقول بعلم الأصول
ذهب بعضهم إلى أنه نفس الدليل الذي وجب به الأداء، فوجوب قضاء صوم رمضان ثابت بنفس قوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185] وحجتهم على ذلك أن الزمان عرض فلا تأثير له في الواجب، أي لا دخل للزمان في الواجب، فإن الوجوب ثبت بدليل شرعي، وهذا الدليل متناول لذلك الواجب في وقته وبعد وقته، واحتجوا كذلك بأن القضاء لو ثبت بدليل ثان لكان أداء لا قضاء.
وذهب أكثر علماء الأصول منهم البدر الشماخي أحمد بن سعيد بن عبد الواحد من علماء الإباضية بجبل نفوسة والإمام السالمي إلى أن القضاء وجب بدليل آخر غير الدليل الذي وجب به الأداء، فقضاء الصوم مثلا وجب بقوله ل: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184]، أي فعليه قضاء تلك الأيام التي أفطر فيها بسبب مرضه أو
سفره، بينما وجب قضاء صلاة النائم والناسي بالحديث: «من نسي أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها (1) ولم يجب قضاؤها بقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ) [البقرة: 43] كما أن قضاء الصوم بالنسبة للحائض إنما ثبت بحديث عائشة لنا المتقدم: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نظهر فيأمرنا بقضاء الصيام … » (3).
وقالوا كذلك: إن الدليل الذي ثبت به وجوب الأداء لو ثبت به القضاء
كذلك لكان كلاهما أداء، وبهذا فإن القضاء له دليله الخاص به.
ومن العبادات ما يمكن قضاؤه في جميع الأوقات كالصلاة، فلك أن تقضيها في جميع الأوقات ما عدا الأوقات التي تحرم فيها الصلاة، وهي
(1) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، باب في أوقات الصلاة، رقم 184.
(2) سبق تخريجه.