تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٥٨58
تبصير العقول بعلم الأصول
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين فذهب العلّامة ابن بركة البهلوي وهو من علماء القرن الرابع إلى حمل المطلق على المقيد وقال به جماعة من علماء الشافعية، بينما ذهب العلّامة محمد بن محبوب بن الرحيل إلى عدم الحمل وهو قول جماعة من علماء الحنفية، وبهذا فإن المطلق يجرى على إطلاقه فلا يشترط عند هؤلاء في كفارة الظهار كون الرقبة مؤمنة حيث وردت في الآية مطلقة فنجريها على إطلاقها لاختلاف السبب بين آية الظهار وآية القتل الخطأ.
الحالة الرابعة: فهي أن يختلف حكم المطلق والمقيد ويتفق سببهما. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا غَفُورًا﴾ [النساء: 43] مع قوله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: 6] فنجد أن كلمة الأيدي في الآية الأولى غير مقيدة بقيد بينما نجدها في الآية الثانية قيدت بكونها إلى المرافق وقد اتفق المطلق والمقيد في الآيتين في السبب فإن السبب في كل منهما هو رفع الحدث وإرادة القيام للصلاة، لكن الحكم مختلف فهو في الآية الأولى وجوب التيمم عند عدم الماء وأما في الآية الثانية فهو وجوب الوضوء، فهل نقيد ذلك المطلق الوارد في آية التيمم أم لا؟ خلاف بين العلماء كالخلاف السابق.
فانظر إلى هذه الدقة وإلى هذا العمق في فهم أحكام الشريعة الإسلامية وتبين أن العلماء عندما يفتون في مسألة أو يستنبطون حكما من الأحكام في حادثة وقعت سواء كانت معاصرة أو غير معاصرة يمعنون النظر في أدلة التشريع ويمحصونها باستفراغ الجهد حتى يتحصلوا على ذلك الحكم ويتوصلوا إلى تلك الفتوى، وقد أردت أن أطلعك على المنهج الذي سلكوه والطريق الذي رسموه.