كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ١٥٩—
يالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل فلا تغفل عن الصحابة وفضلهم، ولم يكن بالفقه والكلام، بل بعلم الآخرة وسلوك طريقها.
تقدمهم
وأما قولك ان المشهورين من العلماء هم الفقهاء والمتكلمون، فاعلم أن ما ينال به الفضل عند الله تعالى شيء، وما تنال به الشهرة شيء آخر. ولقد كانت شهرة أبي بكر رضى الله عنه بالخلافة، وكان فضله بالشيء الذى وقر في صدره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا كثرة صيام، ولكن بشيء وقر في صدره (?) ولقد كان من المكاشفين فيما قيل. فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر النفيس والدر المكنون، وكانت شهرة عمر رضى الله عنه بالسياسة والعدل وكان فضله بالعلم بالله تعالى كما روى أنه لما مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ابن مسعود رحمه الله: مات تسعة أعشار العلم. فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟ قال: لست أريد العلم بالفتوى والأحكام، وإنما أريد العلم بالله تعالى. فكان فضله بهذا العلم
و بقصده التقرب إلى الله تعالى فى ولايته وشفقته على خالقه وهو أمر باطن في سره وأما أفعاله الظاهرة فقد يتصور صدورها من طالب الجاه والإسم والسمعة، والراغب في الشهرة، فتكون الشهرة فيما هو المهلك، والفضل فيما هو سر لا يطلع عليه أحد من الناس. فالفقهاء والمتكلون مثل الخلفاء والقضاة قد انقسموا؛ فمنهم من أراد الله تعالى بعلمه وفتواه وذبه عن دينه: ولم يرد به رياء ولا سمعة؛ أولئك أهل رضوان الله لعملهم بعلمهم، ولإرادتهم بفتواهم وجه الله تعالى، فإن كل علم عمل لأنه فعل مكتسب، وليس كل عمل علماً. فالطبيب يقدر أن يتقرب إلى الله تعالى بعمله فيكون مثاباً عليه من حيث أنه عامل الله تعالى به. والسلطان يتوسط بالعدل بين الخلق فيكون مرضياً عند الله سبحانه، لا من حيث أنه متكفل بعلم الدين، بل [من حيث] هو متقلد عملا
(1) قال الحافظ العراقي: أخرجه الترمذى الحكيم في النوادر من قول أبي بكر بن عبد الله المزنى ع ولم أجده مرفوعا.