كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٢٤١الباب التاسع
فى العلامات المميزة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة
ونعنى بعلماء الدنيا: العلماء السوء، وهم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا، والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها. وهم الذين وردت فيهم الأخبار والآثار المتقدمة. ونعنى بعلماء خرة: العلماء بالله سبحانه، العاملين له، فهم الفائزون المقربون يوم القيامة، ولهم
الآخر
علامات منها:
أن لا يطلب بعلم لدنيا؛ فإن أقل درجات العلم النافع أن يدرك حقارة الدنيا و خستها وكدورتها وانعدامها: ويدرك عظم الآخرة ودوامها وبقاء نعيمها وجلالة ملكها، ويعلم أن الدنيا والآخرة متضادتان، وأنهما كالفرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وأنهما كالمشرق والمغرب؛ مهما قربت من إحداها بعدت عن الأخرى، وأنهما ككفتى الميزان مهما رجحت إحداها خفت الأخرى، وأنهما كقدحين: أحدهما مملوء، والآخر فارغ، فبقدر ما تصب في أحدهما كذلك تفرغ من الآخر
فإن من لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها، وامتزاج لذتها بألمها، ثم انعدام ما يصفو منها فهو فاسد العقل؛ لأن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك. فكيف يكون من العلماء من لا عقل له؟ وإن من لا يعلم عظم الآخرة ودوامها فهو مشرك مسلوب الإيمان، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له؟ وإن من لا يعلم مضادة الدنيا والآخرة، ولأن الجمع ينهما محال وطمع فى غير مطمع فهو جاهل بشرائع الأنبياء كلهم، بل هو كافر بالقرآن من أوله إلى آخره. فكيف يعد من زمرة العلماء؟ ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان بعيد من الرحمن، قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شقوته، فكيف