كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٣٩١—
357
—
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن دعامة البيت أساسه،. ودعامة الدين المعرفة بالله واليقين والعقل القامع» قيل: وما العقل القامع؟ قال: «الكف عن معاصى الله، والحرص على طاعة الله».
ومعنى المعرفة بالله سبحانه أن تعرفه بأياديه الكاملة، وصفاته البالغة وقدرته التامة، وأفعاله الجارية فى خلقه من أصناف النعم وضروب النقم. فإذا عرفه العبد بهذه المعرفة لزمت قلبه الرهبة منه، والرغبة إليه، وامتلا قلبه له عظمة وحياء.
وتتزايد المعرفة فى قلب العارف بحسن التفكر والاعتبار في إتقان صنع الله الموجودات، وحسن تدبير فى أصناف المخلوقات. ومعرفة الله تعالى بحر لا يدرك له قعر، ولا يحيط به بشر، إنما يحوم الخلق على سواحله وأطرافه، بقدر ما تيسر لهم من حسن عون الله وألطافه. . وما خاض أطراف بحر معرفته إلا الأنبياء والأولياء والراسخون من العلماء على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قواهم، وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم.
وهذه المعرفة إذا قويت فى قلب العارف واستحكمت، لاح له من ربه اللطف الحفى والنور الجلى، واستولى على قلبه حب ربه، واستأنس بذكره في الخلوات، ووثق باسعافه في المهمات، وغلب نور قلبه على نور بصره فأبصر الدنيا خيالا والآخرة مثالا، وتعرف مع ذلك المريد من ربه في المواطن، وكان له ومعه في جميع الأماكن حتى كأنه يناجيه عند همه، و يناغيه عند غمه. وفى هذه الصفة الحديث الطويل الذى رواه أبو هريرة وأسامة ابن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر أهل الانقطاع إلى الله عز وجل فقال: لباسهم الخرق، ومسكنهم العلق، تعرفهم بقاع الأرض. إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا
D
غابوا لم يفقدوا. . الحديث»