عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٢٠6 - المطالبة بالحرية بأوسع معانيها:
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
لا يسعنا ونحن نرى أركان حضارتنا تتداعى أمامنا والبغاث في أرضنا تستنسر -كما يقول الشاعر العربي، وهؤلاء الذين ليس لهم هُويَّةٌ ولا ثقافة ولا تاريخ ولا حضارة، فقد ولدوا بالأمس وأول أمس يحتلون بلادنا ويدنسون مقدساتنا، ويُهينون قومنا ويقتلون أحلامنا، ويندون آمالنا، ويهدمون مدننا، ويغيرون مناهجنا ويشوهون، ثقافتنا، ويسلخون جلدنا، لكي يخرجونا من هويتنا وديننا وتاريخنا، وبالجملة يجعلون منا مَسْحًا جديدا شبيها بالقرود وأفعال القرود. أقول: لا يسعنا ونحن نرى ذلك أمام أعيننا أن نقف لكي نسكب العبرات، ونطلق الزفرات، ونرثي الأحياء والأموات، بل علينا أن نأخذ العظة والعبرة من التاريخ وعلينا أن نطالب بالحرية؛ الحرية التي هي العقل والعلم والنور. إن معنى الحرية قد اتسع نطاقه مع التطور الحضاري الذي شهدته الأمة، وخرج من هذا الإطار الضيق أي هذا الفعل الإنساني الذي يقوم به الفرد دون إكراه
خارجي.
أصبح مفهوم الحرية له معان متعددة وآفاق غير محدودة، أصبح يعني رفض جميع القيود التي تفرضها السلطة السياسية بحجج كثرة واهية على إرادة الإنسان ونشاطه وتفكيره وإبداعه مثل القوانين الاستثنائية. ويعني تحرر الإنسان من الخوف الداخلي المنبعث في أعماقه، والتي غرسته النظم السياسية وزرعته داخل كل فرد في المجتمع. ويعني تحرر الإنسان من السلطة الداخلية التي ربما فرضها عليه شعوره من جراء القيود المتنوعة الأشكال التي يدركها في حياته اليومية، فشكلت قهرا مستمرا فيه ديمومة الحياة، ومن ثم صنع الإنسان لنفسه قيدا حديديا، وسجن نفسه وعقله وروحه داخله. ويعني التحرر أيضا من الأفكار المسبقة والمذاهب السابقة التي يرثها الإنسان من تراثه الوطني، فيتم تشكيل عقله من هذا المنظور، ويحبس عقله في هذا الإطار المذهبي، ويكف هو عن التفكير، يقوم بإلغاء العقل، ويصبح نسخة مكررة من الآخرين.
إننا يجب أن نبشر بعصر الحرية الحقيقي لجميع أفراد المجتمع في جميع مسالك الحياة. فهذا التصور القديم الذي ظلت تدور فيه أبحاث علم الكلام بين حرية المعتزلة وجبرية الأشاعرة، والجهمية، وعلى الرغم من أهميته أصبح صفحة من التراث ندرسه لكي نستفيد من جانبه الإيجابي، ثم نجعله ركيزة لتنطلق إلى آفاق جديدة وميادين جديدة، فلا تصبح حرية نظرية، أو قضية فلسفية ولكنها تطرح على الصعيد العملي كمطلب للفرد في وجه السلطة السياسية فلقد ناضلت فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر من أجل التسامح وحرية المعتقد الديني وعكست الثورة الفرنسية