عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١١٩عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الأمة، ويحاول أن يزيل الغبش الموجود في أفق الرؤية، ويولي قضية حرية الإرادة إيلاء ملحوظا، ويركز عليها تركيزا ظاهرا فنجده يتوقف أمام كل آية فيها هذا القدر من التوجيه للإنسان ودعوته إلى العمل والإقدام وتفعيل حركته واستنهاض همته.
اقول: يحاول أن يتوقف أمام هذه الآيات لكي يسبر غورها، ويستخرج مضمونها، ويستنبط احكامها ويقدمها لنا علها تغذي العقول، وتزود النفوس بزاد من التقوى والصلاح وحينما يتوقف أمام قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُختلفين (هود: (118)، يقول: كان ربنا يستطيع أن يخلقنا ملائكة لا نستطيع العصيان أو حيوانات معزولة عن التكليف، ولكنه جعلنا بشرا، مختارين نستطيع الهبوط إلى سجين، أو الصعود إلى عليين (1). وهذا كلام لا يحتاج إلى مزيد إيضاح، فنحن بشر مكلفون برسالة في هذه الحياة، ومعنا أسلحة ماضية لمواصلة الطريق، أهمها هذا العقل الذي يميز بين الخير والشر، ولنا شهوة غالبة والطريق أمامنا طويل عريض فمن يشاء أن يهبط مع هذه الحيوانية المتمثلة في جانب الرغبات والأهواء والشهوات فمصيره سجين ومن شاء أن يستخدم عقله ليضيء له الطريق، ويبصره بمواضع أقدامه، ويميز بين الفضيلة والرذيلة والطاعة والمعصية ثم يختار طريق المؤمنين المتقين فسوف يعلو إلى أفق السماء مع الملائكة المطهرين ويصعد إلى عليين والطريق واضح المعالم أمام الإنسان. وفي وقفة إيمانية أخرى مع قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حَمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (فاطر: (18)، يعقب على الآية قائلا: "الواقع أن الإنسان صانع لمستقبله، إن نجا فبحسناته، وإن هلك فبسيئاته (2).
هكذا بإيجاز شديد يشرح هذا المفكر الكبير في كلمات وضاءة وحرارة إيمانية، وقلب مخلص لهذا الدين طريق الخلاص لهذه الأمة المنكوبة في حاضرها كي تعود مرة أخرى إلى منهج القرآن، ونهج الدين الواضح وتعمل على إعادة كرامتها وشرفها المسلوب، وتعيد مجدها القديم، وتجاهد في بناء أركان هذه الحضارة المتداعية، لعلها تلحق خطوات الأمم الوثابة في طريق النهضة
والعلم والزراعة والاقتصاد والرخاء.
(1) نحو تفسير موضوعي، ص 176.
(2) المصدر السابق، ص 318