عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

:أولا: مدخل إلى الموضوع

الفصل الرابع: الوعد والوعيد

خلق الله له الإنسان وصوره في أحسن صورة، وأجمل هيئة وبث في نفسه رغائب عديدة وشهوات متباينة، وجعله ميالا إلى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المنافع، وتحقيق الخير لنفسه ولنسله، والجنوح عن كل ما يعود عليه بالضرر والأذى أو يسلب منه هذه المنافع. ويحاول السلوك الإنساني في نشاطه اليومي أن يصل إلى هذا الطريق الذي يحقق دوافعه في الحصول على الخير، ويجنبه ما يؤذيه أو يحبط مسعاه، لاسيما وعنده من سبل الهداية وطرق التنوير الكثير. وقد أرسل الله له الرسل إلى الإنسان، رسل هداية ورحمة وعظة للناس جميعا، ومبشرين بالخير، وفي الوقت نفسه منذرين بالعواقب المؤلمة لمن يخالف الأمر، وهذا يتفق مع طبيعة النفس الإنسانية التي تحتاج إلى أسلوب الترغيب والترهيب والثواب والعقاب. وقد تضمن القرآن بشارات وإنذارات ووعدا ووعيدا، وتبشيرا بالجنة ونعيمها الحافل بألوان متعددة من المسرات اللانهائية، وتحذيرا من النار وعذابها المشحون بضروب مختلفة من المهالك تفوق تصورات العقل. وهكذا نجد أن القرآن استخدم في مخاطبة الإنسان جميع الأساليب التي تظهر الحقيقة ||

أمامه، وتقنعه في أن يفكر مليا في عواقب عمله ونتيجة فعله، ويتحسس خطى أقدامه وهو يخوض غمار الحياة، فهو مجازى فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 8 - 7)، فاستخدم الأسلوب العقلي في إيصال المراد إلى الإنسان بأسلوب هادئ وحوار مقنع وعرض الحجة، وبسط المقدمات واستخلاص النتائج.

واستخدم أيضا الأسلوب الحسي الذي يتفق ومدركات بعض الناس، إذا كان الأسلوب الأول يعلو على مداركهم: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الجبال كَيْفَ نُصبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطحت (الغاشية: 17 - 20).

وكما نلاحظ فكلها ظواهر طبيعية تحيط بالعربي البدوي، تقع تحت عينيه التي ترى، وأذنه

التي تسمع وقلبه الذي يفقه وهي ظواهر تحاصره في حلّه وترحاله، وفي بيئته البسيطة التي تخلو من تعقيدات حياة الحضر، فهذه الناقة تعيش معه، ويعيش معها في وحدة نفسية وهي مكون أساسي من مكونات حياة الاجتماعية، ولا نعدو الصواب إذا قلنا والثقافة أيضا.