عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٢٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
والملاحظ أن أسلوب القرآن يقرن دائما مسألة الثواب بالعقاب والتبشير بالنذير، والجنة بالنار، والوعد بالوعيد: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) (النبا (21)، وبعد أن يعلل أسباب دخول الطغاة والجبابرة النار، يرسم صورة أخرى موحية ومؤثرة لأصحاب الجنة، وأسباب نزولهم فيها: إن للْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا … ) (النبا: 32).
وكذلك من خلال تتبع آيات القرآن نجد أنه يغلب هذا الأسلوب في الوعد والوعيد: (النازعات: 41) (الليل (218): (البلد (2016)، (الفجر: 12 - 30).
ثانيا: أبعاد قضية الوعد والوعيد
الوعد هو كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الآخرين، أو دفع ضرر عنه متوقع في المستقبل. والوعيد: هو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الآخرين أو تفويت نفع عنه متوقع في المستقبل. ويُعد الوعد والوعيد الأصل الثالث من أصول المعتزلة ومضمونه عندهم أن الله لا يغفر لمرتكسب الكبيرة إلا بالتوبة، وأنه الصادق في وعده ووعيده، لا مبدل لكلماته (2).
ومن الجدير بالذكر أن الفرق الإسلامية متفقة على مسألة الوعد والوعيد، وتقر بذلك ولا أحد يجادل في أن القرآن تضمن ذلك، وكرره في كثير من آياته، ووعد وتوعد، وأفاض وأطنب في هذه القضية على أن مثار الجدل في القضية ومدار الخلاف يدور حول "الوعيد". ففي حين يذهب المعتزلة ومعهم الإباضية والزيدية إلى أن الله محقق وعده ووعيده، وكما أن وعده لا يخلف للمؤمنين المحسنين، كذلك وعيده لا يتبدل للعصاة الكافرين - يقرر الأشاعرة ومعهم المرجئة وأهل السلف بأن الله منجز وعده ومن الممكن أن يخلف وعيده.
وقد صور القاضي عبد الجبار أبعاد القضية بأسلوبه العلمي، إذ يقول: الوعد والوعيد: هو أن يعلم أي إنسان أن الله -تعالى- وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة ولا يجوز عليه الخلف والكذب.
وأصل الوعد والوعيد لا خلاف عليه؛ لأن منكره يطعن في نبوة الرسول، لكن موضع
الخلاف يدور حول إشكاليتين:
(1) شرح الأصول، ص 124
(2) مروج الذهب، 235/ 3.