عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الحال الثاني فيلزمه مع التوحيد فرض الصلاة، ثم يأتي عليه حال ثالث فيلزمه فرض الصيام، وهكذا فرض الزكاة والحج، أي أداء الطاعات المقررة في الدين، فإيمانه هنا يزيد بزيادة الفرائض، فكلما ارتقى من مرتبة من مراتب الإيمان المفروضة زاد إيمانه، لذلك لم يكن له أن ينزل عنها إلى ما دونها. وهذا معنى قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص يعني أن الفرائض تزيد، فإذا زادت فليس للعبد أن ينقص منها، فإن نقص شيئا منها فليس بمؤمن بل هو كافر كفر نعمة. وهذا إجماع ولا خلاف عليه من أحد من الأصحاب (1)

الحقيقة أن هذا التحليل يدفع بالإنسان ليس إلى التمسك بقواعد الإيمان من أداء الطاعات و اجتناب المقبحات فحسب، بل تدفعه إلى مداومة الاستزادة من هذه الطاعات، سواء أكانت فروضا أو نوافل، أو محاولة الوصول إلى رضا الله، ثم رضا المجتمع، فضلا عن أن هذا سيدفعه إلى اجتناب كل ما يخل بهذا الواجب المقرر عليه؛ لأن هذا الإخلال يؤدي إلى هدم إيمانه. ولا شك أن هذه النظرة تعمل على حماية الإنسان من الانحراف عن مقررات الدين، وتحته دائما على اكتساب المزيد من الطاعات والحسنات.

وخلاصة القول: أن الإيمان يجب أن ينعكس أثره في سلوك الإنسان داخل المجتمع. فمع إقرارنا بأهمية التصديق بالقلب والوصول إلى مرحلة اليقين وإعلان ذلك باللسان، والإقرار الدائم بالقول؛ لكن يبقى الشرط الأساس الفعال من مفهوم الإيمان وهو العمل. فالمطلوب هو أداء العمل المنوط بالإنسان مع إتقانه وتجويده إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"". فكل إنسان في مجال عمله عليه أن يحسن عمله، وأن يقوم به خير قيام ويخلص له هذا يؤدي إلى نهضة المجتمع وتقدمه. فالإيمان ليس شعارا أو تصديقا ذهنيا أو تصورا غيبيا، ولكن الإيمان يعني نظافة بيوتنا وشوارعنا، ويعني النظام الصارم في حياتنا، ويعني زيادة الإنتاج في جميع المجالات الإيمان سلوك يومي نراه في تصرفات الإنسان المسلم في تعامله مع نفسه وفي تعامله مع أسرته وزملائه والمحيطين به، فكلما ارتقى هذا السلوك، وانضبط بضوابط الشرع، وخضع لمقولات الدين ومبادئ الأخلاق أفضى هذا إلى سعادة الفرد والمجتمع والدولة في الدنيا والآخرة لاسيما وقد قرن الله العمل بالإيمان في عشرات الآيات، وأكد على قيمة الأعمال الصالحات الباقيات.

(1) جوابات الإمام السالمي 232/ 6 مشارق الأنوار، 204/ 2.

منطوق الحديث: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".