عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

197

حربا على الزنادقة مشبوبة لا يخمد أوارها (1). لاسيما وأنه عاش في عصر تسللت فيه الملل المتعددة من بلاد فارس تحمل معها عقائد مناهضة للإسلام وأفكار مناوئة لقضية التوحيد. وقد رُوي أن عمرو بن عبيد تناظر مع رجل مجوسي على ظهر سفينة فقطعه المجوسي.

فقال له عمرو لم لا تسلم؟

قال: لأن الله لم يرد إسلامي، فإذا أراد الله إسلامي أسلمت. قال عمرو: إن الله يريد إسلامك، ولكن الشياطين لا يتركونك.

فأجاب المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب (2).

وعلى الرغم من أن المحاورة لم تشر إلى النهاية المرجوة منها وهي دخول المجوسي في الإسلام أو إقناع عمرو له، لكنها توضح حقيقة المجادلات التي كانت تقع بين مفكري الإسلام. وهؤلاء القوم الذين انتشروا في أنحاء البلاد الإسلامية يبلبلون أفكار الناس ويثيرون فتن الثنوية، ودعاوى المانوية والمزدكية، وفي الوقت نفسه يتسلحون بالمنطق الأرسطي، ومبادئ الفلسفة اليونانية. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع المعتزلة بعد ذلك لدراسة هذه العلوم ومحاربة خصومهم بالسلاح نفسه الذي تسلحوا به فانتصروا عليهم وهزموهم شر هزيمة.

ونخلص مما سبق أن عمرو بن عبيد - الذي يمثل شيخ المعتزلة في عصره قبل أن يدعو لمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان هذا ذاته قد توافرت فيه شروط الداعية": من استيعاب الثقافة الدينية، والإلمام بأصول الفكر الإسلامي، والقدرة على محاورة الخصم، والمهارة في الجدل والتسلح بالحكمة والموعظة الحسنة، والخشية من الله.

أضف إلى ذلك أن من يتصدى لهذا الأمر من الضروري أن يكون قدوة حسنة في السلوك الملتزم، والخشية من الله، والزهد عما في أيدي الناس، والتعفف الذي يسمو بالنفس إلى الآفاق.

(1) تاريخ الجدل، ص 208. فجر الإسلام، ص 300 تيارات الفكر، ص 73، 74 أبو الهذيل العلاف، ص 34.

(2) زهدي جار الله المعتزلة، ط: القاهرة 1947 م ص 40، ط: بيروت،1987 م، ص 47. عيون الأخبار، 158/ 2. عبدالحكيم بلبع أدب المعتزلة، ص 98. وروى الطرطوشي الرواية ذاتها ولكنه قال بأن رجلا قدريا ومجوسيا تناظرا. (سراج الملوك

(713/ 2

راجع كتاب الشيخ محمد الغزالي: هموم داعية والشيخ يوسف القرضاوي: ثقافة الداعية.