عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

(184

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

نحن لتغيير الأمر الواقع، أو إنكار المنكر، وإرساء قواعد العدالة فهي نظرية فيما أعتقد تلفيقية تخديرية، يطلقها خيال البشر حينما يضيق بهم الواقع على الرغم من رحابته، وتنسد أمامهم السبل وتحاصرهم الهموم، وتخفت أضواء النجوم فيهرولون من الواقع إلى الخيال، ومن الألم إلى الحلم الجميل ومن العذاب المستمر إلى الأمنيات المريحة.

والحقيقة أن ما عرضه عمرو بن عبيد والمعتزلة والإباضية والزيدية بشأن الإمامة فيه معالم على الطريق لنا وهدى ونور، نستطيع أن نستفيد منه في حياتنا المعاصرة. وهذا هو الجانب الإيجابي الذي علينا أن نستمد منه، أفكارنا كقضية الشورى وتولية أهل الحل والعقد والخبرة، وإسناد الحكم للأصلح والأتقى والأشجع.

ومن هذه الأفكار أيضا الثورة على الإمام وتغييره إن أخل بشروط العقد المبرم بينه وبين جماعة المسلمين، وجب تقديم النصح والمشورة له وإسداء المعروف إليه والتعاون معه من أجل النهوض بالدولة، فإن استمر في غيه وظلمه ومعصيته "فيستتاب، فإن تاب أقر، وإن أصر وجسب على أهل الحل والعقد عزله وتقديم غيره ممن يرون فيه الرشد والصلاح).

والخيط الرفيع الذي يربط هذه الفرق الثلاث المعتزلة والإباضية والزيدية بالإضافة إلى روابط أخرى هو الثورة على الإمام الظالم، أو فاقد الأهلية، أو ضعيف الشخصية، أو المستسلم لشروط أعدائه، أو السلبي في تصرفاته وغير القادر على إدارة شؤون الدولة، فضلا عن ضرورة وجود فئة أهل الحق والاستقامة؛ وهم علماء الأمة، سواء أكانوا علماء دين أو علماء دنيا والمطالبون بالعدل والمساواة، وإقرار مبادئ الإسلام. ولعل نقطة الخلاف الأساسية بين هذه الفرق هو إصرار الزيدية على أن يكون الإمام، فاطميا، في حين لا يشترط المعتزلة والإباضية لهذا المنصب نَسَبًا بعينه. والذي يهمنا هو عنصر الاستفادة من التراث عامة، ومن هذه الآراء الناضجة في حياتنا المعاصرة، وإقامة جسر التواصل بينا وبين الإيجابيات التي يزخر بها تراثنا، وضرورة أن ننهل منه ونستفيد من هذه الأفكار الثرية بدلا من أن نُوَلّي وجهنا شطر ثقافة مغايرة لعاداتنا وتقاليدنا

وعقائدنا.

(1) شرح منظومة غاية المراد ص 169.