عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٨٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
183
بصلة، وليست من صفات المسلم الورع، ولكنها تنبع من مصالح دنيوية، وأغراض سياسية، وأهداف مشبوهة. وبالجملة فهذه السلوكيات لا تنحي مبادئ الإسلام من الساحة الدينية فحسب، بل تقوقضها وتعلي من شأن الغايات بغض النظر عن الوسائل.
ومن هنا جاء حُكْمُ معظم المؤرخين على أصحاب صفين بأنهم بغاة ومعتدون. ولعل موقف عمرو بن عبيد من مؤسس الدولة الأموية وهجومه المتكرر عليه دَفَعَهُ إلى القول: "إن عمر بن عبدالعزيز أخذ الخلافة بغير حقها ولا باستحقاق لها، ثم استحقها بالعدل حين أخذها (1). ومعنى ذلك الكلام لما كان عمر بن عبدالعزيز من الأمويين، والأمويون مغتصبون للخلافة، إذن فعمر بن عبدالعزيز مغتصب للخلافة، أي أنه أخذها بغير حق. وما يصدق على الكل يصدق على الجزء. وقد استدرك عمرو بن عبيد لكي يوضح أن استحقاق عُمَرَ للخلافة يرجع إلى العدل الذي نشره في أرجاء البلاد، والحق الذي أقام موازينه والظلم الذي رفعه والخير العميم والعدالة الاجتماعية والرخاء الذي ساد البلاد كلها قيم أرسى قواعدها هذا الخليفة الراشد وكانت من سمات عصره. فشيخ المعتزلة يؤكد أن استحقاقه للخلافة لم يجى بناء على انتابه للأمويين إنما كان استحقاق جدارة وقدرة فائقة في إدارة شؤون الدولة وأهلية شخصية تبدت في مقومات شخصيته، ومنهج محكم في توجيه دفة الدولة العربية الإسلامية إلى النهوض والتقدم
والرخاء الاجتماعي. نستنتج مما سبق أن رأي عمرو بن عبيد في قضية الإمامة لم يشد في أفكاره عن الفرق الإسلامية عامة وفرقة المعتزلة بخاصة، وكان رأيه معتدلا إلى حد بعيد ومقاربا للنصوص الدينية و موافقا للمنطق العقلي، ومساندا لقواعد الأخلاق، إذ نظر للإمامة كقضية مصلحية من الضروري إقامتها لحفظ بيضة الإسلام، ولمصلحة العباد والبلاد، ولم يتعنت في الشروط التي يجب أن تتوافر في الإمام، أو يفرض فروضا تعجيزية تند عن طبيعة البشر، وتَفُوق قدرات الإنسان، كالذين يقولون بعصمة الإمام، أو يعتقد اعتقادا تهويميا خياليا لا عقلانيا كالذين يؤمنون بعودة "المهدي" المنتظر ليملأ الأرض عدلا ونورا بعد أن مُلنَتْ ظلما وجورا، وفي هذا تسويف للمعركة القائمة بين الخير والشر، وتخدير لمشاعر المسلمين. فعلينا أن ننتظر البطل المخلص والفادي المنقذ دون أن نتقدم
(1) مروج الذهب 205/ 3