عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الفصل الثامن: مكانة عمرو بن عبيد في الفكر الإسلامي

هذه سيرة فرد من أبناء، آدم وإنسان من جنس البشر، وشيخ من شيوخ المعتزلة، وأحد مؤسسي الفكر الاعتزالي، الذي أرسى منهجا عقليا حرا في ثقافتنا العربية الإسلامية، حررها من قيود الواقع وتبعية الجهل، ومن جمود بعض رجال الحديث والانطلاق بالنصوص إلى آفاق رحبة، واستنطاقها قدر ما تحتمل واستخراج المعطيات من جوفها. ثَقف نفسه بنفسه واطلع على ثقافة عصره التي كانت في مضمونها ذات نزعة دينية واضحة، وكان محورها يدور حول القرآن الكريم والسنة النبوية والعلوم التي تدور حولهما، وتقوم بخدمة هذين المصدرين الجوهريين للثقافة الإسلامية. ولم تكن رياح الثقافة اليونانية قد هبت بعد، مع أن عملية الترجمة قد بدأت بجهود فردية مع الدولة الأموية، ثم تبنتها الدولة العباسية، لاسيما أبا جعفر المنصور وخلفاءه من بعده وعلى رأسهم المأمون.

عاصر عمرو أحداث دولتين من دول الإسلام، وشارك قدر استطاعته في النهوض الديني، وإشاعة السلوك الأخلاقي في الحياة الاجتماعية والترعة العقلية في الحياة الفكرية، ثم كان بشخصيته وسلوكه منارة يهتدى بها، وقدوة حسنة في الزهد والتعفف والسمو الأخلاقي، ومنهجا قويما في الاستنارة، الفكرية والاعتماد على الجدل والمنطق والمحاكمات العقلية. وإذا أردنا أن نُقيِّمَ فكرَهُ تقييما موضوعيا، ونضعه في مكانته التي تليق به في تيار الفكر العربي الإسلامي فعلينا أن نتوقف أمام جانبين مهمين كان لهما تأثير ملحوظ فيما بعد، وربما هما اللذان نَوَّهَا باسمه في علم الكلام بخاصة، وفي الفكر الإسلامي بعامة، ومازالا حتى يومنا الحاضر وهما: الجانب النظري، والجانب العملي. ولكننا قبل أن نتناولهما بشيء من العرض والتحليل سوف نشير إلى بعض شهادات المؤرخين القدامى الذين قرظوا شخصيته ونوهوا بفضله، وأشادوا بدوره الإيجابي في خدمة علم الكلام

وأعتقد أننا لا نحتاج إلى عرض قدح العلماء الذين هاجموه أو أزروا بشخصيته، أو نالوا منها، إذ إننا عرضنا هذه الاتهامات والافتراءات حينما تكلمنا عن سيرته وصفاته ولم نغفل أبدا هذا الجانب السلبي الموجود في الطبيعة البشرية الملازم للوجود الإنساني. فليس من حق كاتب التراجم أن يغفر لمن يترجم له ضعفا فيغطيه، وإلا قدم لنا شخصا من صنعه هُوَ لا من صنع الفطرة التي فُطر