عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ٧٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
73
المتمردة على عماه وعلى المحيطين به وعلى الحياة). ومازلنا نعتقد ببراءة عمرو من هذا الاتهام وأن القصد من ذلك كان التشهير والتنقيص من مقامه وقبل أن نطوي صفحة تفنيد الاتهامات نتوقف أمام مقولة عبدالقاهر البغدادي، وهو يعرض بعمرو بن عبيد فيقول: "ما ظهرت البدع والضلالات في الأديان إلا من أبناء السبايا (2). وكان البغدادي على يقين بأن الموالي كانوا من أبرز فرسان المعتزلة وأكثر أعلامها وعلمائها عطاء ونشاطا (3).
ولاشك أن هذا التعريض بجنس الإنسان لا يليق بكرامة الإنسان الذي كرمه الإسلام وهو مناف لقواعد الدين، فالله له خلق الناس من ذكر وأنثى ليتعارفوا ويتحابوا ولا يلمز بعضهم بعضا، أو يسخر بعضهم من بعض، فنحن جميعًا سواء أمام الله، ولا نتمايز باللون أو اللغة أو الجنس، ولكن التمايز بالعمل الصالح، والناس جميعًا وَلِدُوا أحرارًا، فلا قهر ولا جبر ولا عبودية. ومن أهم مبادئ الإسلام تحرير إرادة الإنسان من عبودية أخيه الإنسان لكي يكون حرا فاعلا. فالعبودية لله والسجود الله والتوجه إلى الله. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أن هؤلاء الموالي هم الذين تفرغوا للعلوم وانكبوا عليها فأبدعوا وأجادوا، ومقولة ابن خلدون: "إن معظم حملة العلم من العجم مشهورة في حين أن معظم العرب انصرفوا إلى الإمارة والبحث عن وسيلة للحصول على حكم مصر من الأمصار، ودخلوا في صراعات سياسية أفضت إلى المنازعات والحروب والدمار.
ومن جهة ثالثة فمن المشهور في تاريخ الدولة العباسية أن جميع خلفائها كانوا من أبناء السراري، وأمهاتهم كن أم ولد باستثناء أبي العباس السفاح والمهدي والأمين على ما يقول المؤرخون. فلماذا الحط من شأن الناس واتهامهم بأمور ليس لهم فيها حيلة ولا منها فكاك، ثم لماذا نغض الطرف عن تعاليم الدين - في هذه القضية الذي يقرر أن الناس سواسية كأسنان المشط. ومن المؤسف أن عبدالقاهر البغدادي من أشد المؤرخين عنفًا وقسوة على جميع الفرق باستثناء الأشعرية، ورحم الله الأستاذ العقاد حينما قال: إن الإنسان أشد من الحيوان ضراوة (4).
(1) الأغاني، 180/ 3، 181، 208
(2) الفَرْق بين الفرق، ص 121. (3) محمد عمارة: تيارات الفكر، ص 62.
(4) خلاصة اليومية، ص 76.