عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٧٢

72

ونحن أمام احتمالين

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الاحتمال الأول: أن هذا الكلام نوع من التقول على عمرو، إذ لم يُشر إلى هذه الرواية إلا الخطيب البغدادي، ونقلها عنه الذهبي، ونربا بعمرو أن يقول هذا الكلام، ولا نعتقد أن يقوله مسلم، بَلْهُ أن يكون رجلا مشهورا بالتقوى والورع. وإذا كان قد قرر إنكار جلد السكران من النبيذ فهذا خطأ بين، وقوله مناف لحديث رسول الله الكريم، ويحاسب عليه أمام ربه علام الغيوب.

الاحتمال الثاني: أن الساحة الفقهية كانت تموج بالنقاش في مسألة قلة النبيذ وكثرته أهو مسكر أم غير مسكر، ويترتب على ذلك حرمة الكثير دون القليل.

وقد اشتهر عن بعض العلماء قولهم بتحليل شراب النبيذ مادام لا يسكر، ولعل عمرًا قد اقتنع بهذا الرأي، أي أن قليل النبيذ لا يسكر فالزمه المحاور بأنه ينكر جلد السكران من النبيذ على عادة المجادلات التي كانت تدور بين الفقهاء والمتكلمين وهذا الاحتمال أقرب إلى الواقع

والمعقول.

- أما تزكية عمرو لنفسه ولصديقه واصل فربما كان هذا في مجالسته الخاصة التي يتحرر فيها الإنسان من تكاليف العرف وقواعد العادات، وربما كان هذا الكلام من قبيل المفاكهات التي تقع في بعض المجالس الخاصة، ولعل هذا الكلام قيل من قبيل المبالغة والمفاخرة والتعظيم من شأن صديقه على عادة شعراء العرب فإنك شمس والملوك كواكب"، و"كأنه علم في رأسه نار"، وليس القصد من مدح عمرو أن واصلا نال درجة الملائكة أو اقترب منها.

أضف إلى ذلك أن استقراء سيرة عمرو الدينية تُبرتُه من هذا الكلام، أو أنه قاله تجديفًا في الدين، أو استهزاء بقواعده كما نرى في سيرة بشار بن برد فلقد ثبت عليه ذلك، فلقد كان لا يصلي ولا يحج ويسخر بصورة علنية من الأفكار الدينية وعلى الملا، وروى الأصفهاني حكايات كثيرة من هذا الطراز، فقال: سمع بشار جارية تنشد شعرًا فقال معلقًا: إن هذا أحسن من سورة الحشر. وكلام كثير من هذا القبيل أطلقه بشار هنا وهناك مما تناقله المؤرخون تعبيرًا عن جوانيته

والكثير فلا بأس بشرب القليل منه، وإنما يحرم منه ما يتعقبه السكر. قال أبو يوسف النبيذ لا بأس به يشربه على طعام ولا خير في السكر منه؛ لأنه إسراف، فإذا جاء السكر فليدع الشرب السرخسي المبسوط، 5/ 24، 11، 12).