تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

الفصل الثاني: في دخول علم المنطق في علم أصول الفقه

221

وقد استثمر الأصوليون البرهان في القياس المبني على مقدمات نقلية قطعية، فقد استدلوا على أن الأمر يفيد الوجوب، فقالوا: تارك الأمر عاص لقوله تعالى حكاية عن موسى وهو يؤنب هارون (أَفَعَصَيْتَ أَمرى) [طه: 93) فأخذوا المقدمة الصغرى وهي تارك الأمر عاص، وكل عاص يستحق النار لقوله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] فينتج: تارك الأمر يستحق النار، وقد استدل الأصوليون بهذا البرهان على أن موجب الأمر الوجوب وهذا البرهان قطعي لأن مقدماته قطعية.

وهذا كله يقودنا إلى حسن صنيع الأصوليين وعلماء الشريعة الذين استعملوا هذه المباحث المنطقية في توجيه الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام بواستطها، وهذا التصرف موجود في مصنفات العلماء حتى الذين عابوا على المنطق وأهله جميع

وفسقوا العاملين فيه، فإن كتب هؤلاء لا تخلو من هذه المباحث ولا سيما في مباحث علم البحث والمناظرة.

وفي مجال الرد على الخصوم، إن علم الأصول في ثوبه الجديد كما لم يستغن عن مباحث اللغات حتى سماها البعض بنحو الأصول، فهو لا يستغني أيضاً عن كثير من مباحث المنطق المفيدة، فهي ميزان الأصول ما دام أن تفسير النصوص بحاجة

إليها.

هذه دراسة مختصرة عن تأثير علم المنطق في أصول الفقه وليس غرضنا من هذه الدراسة الغوص في التفاصيل المنطقية ولا الأصولية فذاك له مجالات أخرى، وإنما المقصد الإشارة إلى مفاتيح المسائل والكشف عن صلة القربي وكيف استثمر علماؤنا مباحث المنطقية، وأفادوا منها في تفسير نصوص الشارع وتوجيه الأدلة و استنباط الأحكام. وبذلك يتضح أنه من التجني الكلام عليهم والحط من أقدارهم بعد أن أسلموا هذه المعارف واستدلوا لها من كتاب الله وسنة رسوله، ومن قرأ هذه الأبحاث هنا اتضح له المقصود وبالله المستعان.